سنعدكم حبا وتفاؤل " سنرهق عتمة الليل بإيقادنا نور العقول حتى يعترف الظلام بهزيمته النكراء أمام حشود أفكاركم العبقرية " فقد طال بقاء هذا الليل , دون ايما مساحة تكفي لاحلام الصغار .ـ ولكي لايسئم القنديل جئنا بالشموع ..ـ
آخر 10 مشاركات
مَـزجْ آنَـد // انْسِجَـامْ [Africa ] (الكاتـب : - آخر مشاركة : - الردود : 26 - المشاهدات : 10079 - الوقت: 07:01 AM - التاريخ: 12-13-2013)           »          قـبـل أن يـغـفــو الـرمـاد ( سلسلة مقالات نقدية ) (الكاتـب : ع . البرنس - الردود : 332 - المشاهدات : 135443 - الوقت: 07:15 AM - التاريخ: 08-31-2013)           »          العنصرية ضد السود في العالم العربي (الكاتـب : - الردود : 90 - المشاهدات : 29155 - الوقت: 09:25 AM - التاريخ: 07-27-2013)           »          أكثرْ منْ دهشة ؟! (الكاتـب : - الردود : 1 - المشاهدات : 4634 - الوقت: 01:57 AM - التاريخ: 07-16-2013)           »          الحواري .. (الكاتـب : - الردود : 0 - المشاهدات : 4440 - الوقت: 08:57 PM - التاريخ: 06-29-2013)           »          فنُ الحُبْ .." وجْهة أكثرُها إشراقْ (الكاتـب : - الردود : 0 - المشاهدات : 4854 - الوقت: 02:16 AM - التاريخ: 06-20-2013)           »          أنْ تَسْبُق الـ ع ـينُ حُروفُ اسْمك !! (الكاتـب : - آخر مشاركة : - الردود : 21 - المشاهدات : 10526 - الوقت: 08:28 PM - التاريخ: 06-12-2013)           »          إنّما الأسود لفرجه وبطنه (الكاتـب : - آخر مشاركة : - الردود : 99 - المشاهدات : 49869 - الوقت: 09:38 AM - التاريخ: 06-09-2013)           »          الحب و الفحشاء 3 (الكاتـب : ع . البرنس - آخر مشاركة : - الردود : 11 - المشاهدات : 6805 - الوقت: 06:59 PM - التاريخ: 06-05-2013)           »          لك سيدتي (حواء) (الكاتـب : - الردود : 1 - المشاهدات : 4752 - الوقت: 12:38 AM - التاريخ: 06-01-2013)


الانتقال للخلف   منتديات افرو اسيا > عنَآقيْد مُتَدليَةْ > حَديْثُ السَاعةْ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : [1]  
قديم 02-27-2013, 11:49 PM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
تعجب العنصرية ضد السود في العالم العربي

هل هي بركات أوباما ؟؟
هذا أول ما تبادر إلى ذهني عند قراءتي لهذه السلسلة الغير مألوفة عربياً.
رغم أن الـ(أوان)مجلة يسارية علمانية تغرد(خارج)السرب وتسبح(عكس)التيار
إلا أن ما قدمته في هذه السلسلة جديرة بالالتفات إليها
فقد تم تخصيص هذا العدد من هذه السلسلة التي تصدرها الأوان لهذه الكارثة الإنسانية المسكوت عنها ومتستَراً عليها-وربما مدعومة-في الثقافة العربية باعتبارها مظهراً طبيعياً لا يستحق الاهتمام كردة فعل على(حدث القرن)-على ما يبدو-وهو صعود رجل أسود لعرش القوة العظمى ...
ترى هل هي-أي صحوة الضمير المفاجئة هذه-نابعة من دافع ذاتي ومن صميم(الضمير الجمعي)أو حتى النخبوي بحيث يمكن التعويل عليها في إحداث التغيير المنشود؟
هل هو نابع من شعور إنساني بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الأمر ؟
أم أن الأمر لا يعدو كونه ردة فعل لا إرادية أحدثتها(صدمة)اعتلاء رجل أسود لعرش أقوى دولة في التاريخ سرعان ما تخبو وتختفي لتعود حليمة إلى عادتها القديمة على افتراض أنها أقلعت عنها أو حدثت نفسها بذلك؟
هي رغبة صادقة في التكفير عن آثام الماضي البغيض-والذي ما زال مستمراً ومستمْرَأً-والانتصار للإنسان؟
أم مجرد فقاعة تحاول أن تحاكي ما تراه(شكلياً/نظرياً)دون النفاذ إلى العمق واللباب؟
سنترك الإجابة لقادم الأيام ...

قلت في موضوع في نفس السياق متحدثاً عن النخب العربية قبل فترة ما نصه:


المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عباس البرناوي العنصرية السود العالم العربي
...
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عباس البرناوي العنصرية السود العالم العربي

(الثقافة لها سطوتها حتى على الدين نفسه)
هذه النظرة الاستنقاصية للسود ما زالت قابعةً في اللاوعي العربي
أبرز مثال لذلك هي كلمة(عبد)التي هي مثل شرب الماء,والتي نُنعت بها حتى هذه اللحظة
إن كان للدين-أو لغيره-أي معنى,فلماذا لا نرى نقداً واستنكاراً لمثل هذه النصوص التراثية أو غيرها من الممارسات اليومية؟
أين النخب المثقفة,أين قادة الفكر عن هذه المهمة الأخلاقية الملحة؟
أين علماء الدين,أين المثقفون,أين الأدباء,
أين العلماء الربانيين المزعومين أبناء الذين,أين وأين وأنين الناي يبقى


هذا الصمت المطبق على هذه الإساءات ما هو إلا تواطؤ سافر ودعم لها بشكل مباشر
لا أتردد لحظة في اتهامهم بالتواطؤ بل وتكريس هذه النظرة
لا يرون في الأمر مشكلة,فهذا طبيعي-بنظرهم-إذ من هو هذا الزنجي حتى نستنكر ما قد يتعرض له؟
بل من قال بأنه مشكلة أصلاً؟
نعم ليس في الأمر مشكلة حسب رؤيتهم وكذا رؤية بعضنا للأسف الشديد

قد يقول أحد دافني الرؤوس بأن هذه النصوص قيلت وانتهى زمانها
لكن كيف نأمن من يضع العصا تحت وسادته ويقول بأننا إخوة ولا فرق بيننا؟
عليه أن يبرهن لذلك بأن ينبذ العصا ويرميه بعيداً عنا..فالإخو ليسوا بحاجة إلى عصا بينهم
ليس ثمة ما يضمن بأنه لن يستخدمه ضدنا عند أول فرصة

بقاء هذه النصوص دون نقد واستنكار هو الخطر المحدق الذي يجب أن يُزال
وقبل نقد النصوص علينا تشريح العقلية التي اختلقتها ومعرفة مآربها من هذا الاختلاق

والآن إليكم الحقيقة المرة:
وجود هذه الثقافة الانتقاصية يتعارض وبشكل صارخ مع وجود ثقافة الأخوة الإسلامية المزعومة
لن تكون هناك أخوة ما لم يتم نقد هذه الثقافة الانتقاصية من أساسها ونقضها تماماً واجتثاثها من الوعي العام
أما والأمر لم يحدث فكل تغنٍ بالأخوة الإسلامية-أو غيرها-ما هو إلا ذر للرماد في عيون المغفلين
لن تكون هناك سوى علاقة السيد بالعبد/المعتوق
علاقة العالي بالداني .. العالي المتواضع المشفق الرحيم بالوضيع المثير للشقفة

...
فهل ستنجح سلسلة الأوان هذه في إيقاظ الضمير الجمعي العربي ليدشنوا بداية حقبة تتسم بالانتصار للإنسان ؟

hgukwvdm q] hgs,] td hguhgl hguvfd hguhgl hguvfd

__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [2]  
قديم 02-27-2013, 11:56 PM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي زنوج المنزل

ولا أنسى قبل الولوج إلى السلسلة التعريج على(عقلية زنوج المنزل)التي ما أن ترى مثل هكذا أطروحات حتى تصرخ:
ما باله هذا يعرض بأسيادنا ويتربص بهم سوءا؟
دعيني أريحكِ يا هذه
ما قيل في هذه السلسلة جاء من عند من ترينني دائم التربص بهم إقراراً واعترافاً بما أقول, وليس من عندي أنا المتحامل العنصري
فهل ستقري بصحة ذلك كونه جاء من(عندهم) ؟
لا يهم, المهم أن أترك أثراً عليكِ, فربما يحرركِ ذلك مما أنتِ فيه
يقول قدوتنا مالكوم-رضي الأحرار عنه-بأنه يتحدث عن زنوج المنزل لأنهم لا يزالون بينهم
وأنا أفعل ذلك-ويا للمفارقة-ولنفس السبب!
ماذا يفعل زنوج المنزل لدينا؟
إنهم يقولون لك بأن الألم الذي تشعر به غير موجود
إنما أنت مجرد واهم !
وإذا أريتهم موضع الألم, فسرعان ما يخبروك بأن الألم ليس بهذه الشدة التي تشعر بها وأنك تبالغ جداً و"تبني في الحبة قبة" !
هذا إن لم يرموك بالتبلي على سادتهم
إنهم يفعلون ذلك كما يقول مالكوم
" لكي يبقونا مسالمين غير مناهضين سلميين "
يقول في جزء من حديثه الساخر التهكمي التوعوي الشيق:
"... لأن أحدهم علمك أن تعاني بسلام ..."
ويمكننا قول نفس كلامه بالنسخة المحلية
(لأن أحدهم علمك أن تُهان بصبر)

يتبع
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [3]  
قديم 02-27-2013, 11:58 PM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

هناك أصناف من زنوج المنزل علينا معرفتهم لاتقاء خطرهم على الـ( قضية )
وسنبين هنا بعض أمارات اثنين منهم كونهم الأكثر انتشاراً والأظهر أثرا
-خائن لئيم يعمل بوعي وخبث
-مغفل مندفع مغوار
وهذا الأخير لا يعي ما يحدث وما يقول
سيكون تركيزنا على الخبيث الذي "يمحو ما تقوله" حسب تعبير مالكوم
فخطره يعادل أضعاف خطر الزنجي المغفل
هو يعمل على إجهاض كل بادرة أمل في تشكل وعي لدى الجمهور
يخبرهم بأن هذه الأمور قد تم تجاوزها منذ أمد بعيد ولم يعد لها وجود إلا في مخيلة العنصريين أمثالي
يخبرهم بأن التغاضي عنها أمارة رقي وإيمان وترفع عن السفاسف
وأن الخوض فيها أمارة على رغبة دفينة في إثارة القلاقل وإشعال الفتن
هو يعمل على إجهاض بوادر الأمل أو أنه لا يعي أهمية هذا الأمر الضروري والمُلح إذا ما أحسنا الظن
لا يتردد زنجي المنزل هذا في الاستخفاف بك وبقضيتك
ولا يترك وسيلة-مهما كانت سخيفة ومضحكة-في سبيل "محو ما تقول" ليقدم بذلك خدمة جليلة لم يطلبها منه أسياده أنفسهم
(وأعني هنا أولئك الذين يكذبون ويدلسون لبقاء الوضع على ما هو عليه)
سيخبرك بأنك تغضب الله وتشتت شمل الأمة وتبث الفرقة والفتنة
فيهجم عليك متدثرا بثوب المحامي الديني بصفتك عدو السماء فيما هو حاميها الحصري الأوحد !
قد يفعل ذلك بدافع الخبث أو بباعث غباء مستفحل شبه ميؤوس منه يجعله موضع شفقة
زنجي المنزل ينفي وجود العنصرية فقط لأنه لم يتعرض لها(شخصياً)
وعليه فهو يرى بأن كل من تحدث عنها فهو من دافع شخصي بحت لا علاقة له بالوضع العام !!
ألم أقل لكم بأنه أناني وضيق أفق !
هو( متحفز )لتلقف أي موقف لينفي المشكلة من خلاله وينكر وجودها
وقد يخبرك بأن العنصرية يعاني منها الجميع ولستم أنتم فقط
طبعاً هو يفعل ذلك وكأنه يريد منك السكوت وتقبل الأمر طالما أنه واقع على غيرك أيضاً
فيما يُفترض أن يعطيك ذلك-أي وقوعه على غيرك-دافعاً لبذل مجهود أكبر للقضاء عليه كون ضحاياه كُثُر.
زنجي المنزل يخشى الهواء البارد رغم أنه يقضي حياته عارياً في الصقيع!
هو مثل الغريق الذي يخشى البلل !

زنجي المنزل لا يرى مشكلة في تمسك الصيني بتقاليده
ولا في تغني العربي بعروبته وجعلها صنو رسالة السماء
ولا في اعتزاز الياباني بتاريخه
ولا في أي شيء من هذا القبيل
لكنه يرى مشكلة عويصة في حديث الأفريقي عن أفريقيته
يرى ذلك مدعاة سخرية
يرى في ذلك خطأ يجب تداركه وإصلاحه
لذلك تراه يعمل على إبعاد مجرى الحديث عن هذه المنطقة المحظورة !
تلمح في ثنايا حديثه ذلك المنطق القائل: " اش يقولو الناس عننا "
لديه فوبيا من كلام الناس يحاول تغليفه بتنميق الكلام وزخرفته
إنه متحذلق من النوع الرديء
إنك لو دعتك الحماقة وأخبرت زنجي المنزل بأن تاريخه مشرق وليس كما يصوروه له فسيسخر منك !
أو يتظاهر بعدم اهتمامه بالماضي ولا يهمه سوى الحاضر
لكنه في الحقيقة يهرب من الصورة التي في ذهنه عن ماضيه والتي لا يستطيع التحرر منها
ذلك لأن السيد أخبره بأن ماضيه مظلم وقبيح ولا شيء فيه يستحق النظر إليه
وعليه فيجب نبذ هذا الماضي البائس والبدء من الصفر
لأنه-وكما أخبره السيد المدلس-لا يوجد شيء يمكن بناء الحاضر عليه!
هو لا يستطيع رؤية ماضيه بمعزل عن العدسات اللاصقة التي ألصقها السيد في عينيه
ذلك هو السبب.

زنجي المنزل-أحيانا-لا يبدي لك رأيه الحقيقي عما تطرح, بل قد يبدي لك عكس ما يُبطن تماماً
ليجعل منك بعد ذلك وجبة في موائدهم النميمية الزاخرة بلحوم من يختلفون معهم

هو يخلط ما بين الاعتزاز بالذات وبين التعالي واحتقار الناس
مثلاً لو سمع منك عبارات من قبيل:
ما أسعدني ما أذكاني ما أعظم شاني
فسيتردد الصدى في أذنه قائلاً:
ما أتعسكم ما أغباكم ما أحقر مسعاكم
لو قلت مثلاً بأن أفريقيا عظيمة
فسيفهم من ذلك أنك تقول بأن بقية القارات حقيرة
فيتخذ موقفه منك على أساس هذه الصورة المقلوبة
لكنك لو قلت مثلاً بأن تركيا دولة متحضرة, فلن يفهم من ذلك أنك توصم روسيا-مثلاً-بالتخلف !

زنجي المنزل يُظهر حبه لأفريقيا كردة فعل لما يعانيه في واقعه, فسرعان ما ينقلب على ما كان يتغنى به عند أول بادرة أمل في انصلاح واقعه المزري ليُحَوِل ما كان يفخر به مادة للسخرية والتندر !!
أي أن حبه مزيَف جاء نتيجة عوامل خارجية وليس أصيلاً نابعاً من داخله.
وقد رأيت مرة زنجي منزل يتجادل مع أحدهم في استحقاقه لمميزات المواطنة الكاملة
فلم يتردد صاحبنا في سبيل ذلك لأن ينكر صلته بأفريقيا أساساً !!
فعل ذلك بحجة أنه " ولد بلد "
يفعل ذلك لهثاً وراء مميزات لا أدري بم أصفها
فقط قارنوا بين ذلك وبين موقف أوباما وكولن باول وبيليه وبوب مارلي وآخرين ذوو شعبية جماهيرية ومناصب عليا على مستوى العالم
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [4]  
قديم 02-27-2013, 11:59 PM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

زنجي المنزل يغالي في إظهار نبذه للعنصرية إذا ما رأى أحد أبناء جلدته يتحدث عنها مدافعاً عن بني قومه
طبعاً هو يرى-وإن لم يصرح بذلك-أن مناهضة العنصرية الواقعة على بني جلدتك عنصرية
أي من العنصرية أن تدافع عن قومك !!
لأنه وكما قلت قبل فترة وجيزة:
" المجتمع هنا لم يعتد على رؤية الأسود يناهض ما يقع على بني جلدته
وكذا لم يعتد على رؤيته يعتز بأفريقيته وزنوجته
لذلك عندما يرى مثل هذا المشهد الغريب بالنسبة إليه
يسارع في رمي هذا الأسود الزنجي بالتعصب والتعنصر والتقوقع على الذات وغيرها من المضحكات المبكيات
والغريب أن هذا الأمر يكثر بين الزنوج انفسهم !! "
وقد يسميها "عنصرية مضادة" أو غيرها من المصطلحات المتحذلقة
يفعل ذلك لأنه يخفي وراء ذلك نوعاً من عقدة نقص مزمنة يحاول تغليفها بنبذه للعنصرية لكونه يتهيب مناهضة تلك العنصرية الواقعة على بني قومه فيلوذ بأن يُظهر نفسه بصورة الواعي الذي لا تشغله هذه الأمور
وطبيعي أن يكون ذلك على حساب من أخذ على عاتقه طرق الأبواب الموصدة ليظهر في هذا الظرف وكأنه باعث العنصرية المندثرة التي لا وجود لها إلا في مخيلته المتآمرة.
وليتسنى له الهروب قد يحول مجرى الحديث من مجراه إلى مجرى آخر
كأن يتناول الحديث على أنه مجرد تفاخر وتنابز وإثارة نعرات ووو الخ ليجعل من الضحية مدانا !
فليأخذ الحديث أي منحى آخر, المهم أن لا يستمر هذا الحديث المقلق
كأنه يصرخ متوسلاً:
" أرجوكم, خذوني إلى أي مكان, فقط أبعدوني عن هذه(المنطقة السوداء), أبعدوني عنها فالسادة لا يريدونها "
" قولوا أي شيء, لا تذكروني بسوادي "
تماماً كما يحدث بين المُجَبِر والمكسور
فالمكسور يجهد نفسه في دفع المُجَبِر عن موضع الكسر رغم أنه يعمل لصالحه
يفعل ذلك لأن العملية مؤلمة ولا يصبر عليها إلا القليل النادر من الأشداء
بل ثمة من يرى بأن إظهار انتمائك لقومك بحد ذاته عنصرية فضلاً عن الاعتزاز بذلك
وكأنهم يريدون منك أن تكون ذا هُوية باهتة( تذوب )في محيطها وتأخذ شكلها بدعوى أننا مسلمون (فقط)أو بحجة أنا إنسان و(فقط) !!
ما ادري(( فقط ))دي فين أصرفها !!!!!!!!!!!!
أكون أي شيء آخر شريطة أن لا أكون أفريقيا/زنجياً/أسوداً !!
أرأيتم كيف يتم التحايل على إخفاء تلك العقدة المتمثلة في(كراهية الذات)أو(الخجل والهروب منها) !
يهرع إلى أي مكان يبعده عن هذه( الدائرة السوداء! )التي لا يريدها سادته
هذه الجزئية بحاجة إلى(شرشحة)أكبر وأكثر دقة سنعود إليها لو تسنى لنا الوقت لذلك
...

زنجي المنزل يقيس الأمور بمنظار( الماديات الملموسة )
هو لديه منطق غاية في الدناءة يقول ما معناه:
( أن أطأطئ رأسي وأتناول طعاماً شهياً خير من أن أرفع رأسي ولا أجد ذلك )
( أن أطأطئ رأسي وأنام على سرير وثير خير من أن أرفع رأسي وأنا على حصير )
يُقحم قضايا أخرى لتبرير ما يحدث مستخدماً أسلوب تبرير الخطأ بوقوعه على آخرين
أي أنه لا داعي للخوض في الأمر طالما أنه واقع على آخرين غيرك !!
يسارع زنجي المنزل جهد طاقته في تضييق نطاق الظاهرة السيئة وحصرها في أضيق نطاق ليقول في نهاية المطاف:
" كل واحد يصلح سيارتو "!
يرى بأنك لو لم تتعرض للمشكلة(شخصياً),فلا يحق لك الحديث فيها, وإن تعرضت فأنت وحدك المعني فـ"لا تصجنا"!
هو يتسم بالأنانية والجبن والاسترخاص الذاتي إضافة إلى اللؤم
يخبرك بكل وقاحة ومازوخية بأن الوضع لو لم يعجبك فارحل إلى حيث تجد ما يعجبك
يرى بأنه(يحق لصاحب البيت صفعك متى وكيفما شاء ولا يحق لك الاعتراض؛ ما دمت في بيته)!
كما أنه يختلق الأعذار لسيده أكثر مما يختلقها سيده نفسه لنفسه عند الإساءة إليه
هذا إن اعترف أساساً بأنها إساءة !
سيقول لك زنجي المنزل في أوج حديثك:
" بس مهما كان فيهم الطيبين ما نعمم "
وكأن موضوع حديثك هو إثبات أن لا وجود لطيبين منهم وليس أن العنصرية سمة شائعة ظاهرة في ثقافتهم!
أرأيتم كيف يسعى لتحريف مسار الحديث بطريقة تظهره برداء الحياد وتظهرك بصورة المتحامل المتطرف!
يفعل ذلك فيظهر بصورة المنصف العادل, وعليه فستظهر أنت تلقائياً بصورة المجحف الجائر. (طبعاً عند ضعيفي الإدراك)
إنه يخدرك-كما سيده-بنصوص دينية لا وجود لها على أرض الواقع لتتغلغل الإهانات في روحك وأنت صابر محتسب !
يجعل من وجود النصوص-رغم عدم فاعليتها-دليلاً على عدم وجود المشكلة
هو يقبع في جبة سيده( فكرياً )ويعتم عمامته ولا يجرؤ على الخروج منها حتى لرؤية حقيقة ما يدور حوله
أما( نفسياً )فهو تائه يهيم على وجهه ولا يقر له قرار بسبب الصفعات التي يتلقاها بين كل فترة وأخرى من حذاء سيده الموقر
يتوق زنوج مالكوم المنزليون إلى البقاء داخل قبعة السيد لأنه يكفيهم عناء تحصيل الرزق
أما زنوجي المنزليون فيتوقون إلى البقاء في جبة السيد لأنه يكفيهم عناء التفكير !!
قد يلبس زنجي المنزل رداء الحياد ليخفي خلفه ذلته وانكساره وعجزه عن مواجهة الأمر
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [5]  
قديم 02-28-2013, 12:01 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

الكلام عن(عقلية زنجي المنزل ونفسيته)لا ينتهي كونها تتجدد وتتشكل بأشكال مختلفة
هو بالمناسبة( لوثة نفسية )كما هي( لوثة عقلية )بُلينا بها مؤخراً
زنجي المنزل هو ترميز لـ(طريقة تفكير)وليس لـ(وضعٍ حياتيٍ معين)
كما أن الجوهر واحد رغم اختلاف الزمان والمكان
الاختلاف فقط في الظواهر والأشكال التي يتخذها في الظهور
هذا الجوهر يتمثل في الميل إلى تبرير الوضع القائم والاستكانة والرضوخ له والانزعاج من الخوض فيه
كما أن من أخص خصائصه الميل إلى الهروب من الذات والتقليل من شأن كل ما هو ناتج عنها وبخسها

لنختم هذه النبذة عن زنوج المنزل بهذه الطرفة المعبرة:
يروى أن زنجيا منزلٍ اختصما حول أمرٍ ما
فنعت أحدُهما صاحبه-لكونه مواطنا-بـ(ولد الحجة), كونه أجنبي وافد على البلاد
فغضب(ولد الحجة الوافد)هذا-لأنه ليس كذلك برأيه-من صاحبه الذي هو(ليس بولد حجة ولا وافد),وذهب إلى قسم الشرطة واشتكاه
لم يُبد النقيب اهتماماً بالأمر ولا طلب منهما أوراقهما الثبوتية
فقط حاول أن يفهم نقطة الخلاف ليبت في الأمر ببرود معهود في مثل هذه المشاجرات الصبيانية
سأل النقيب:
-يقول انك غلطت عليه وش مشكلتكم
-ما غلطت عليه انا
تدخل الآخر وقال بصوت الواثق من ربح القضية:
-بيقولي ولد الحجة
وهنا ارتسمت على وجه النقيب ابتسامة سخرية ورمقهما بنظرات تحقيرية ثم أردف:
ذحين مين فيكم اللي مو ولد حجة !!
آقوول اقلبو وجوهكم السودة ذي لا ارميكم ثنينكم فَ التوقيف
وأتبع ذلك بصوت موبخ أشبه إلى الصراخ:
أمشي !
فمسكا أيدي بعضهما وخرجا مبهوتَين ...

تابعوا الفيديو أدناه ومن ثم( انظروا حولكم )
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [6]  
قديم 02-28-2013, 12:07 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

سنبدأ الآن باستعراض المقالات الـ(20)تباعاً من سلسلة الـ(أوان)
هذا العنوان معبر جداً

" الجدران اللامرئية: العنصرية ضد السود "
ملاحظة:
يمكن لمن يعاني من(كسل قِرائي)الاكتفاء بالمرور على الأجزاء الملونة وما تحتها خط لأخذ فكرة عامة
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [7]  
قديم 02-28-2013, 12:18 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي سلسلة كراسات الأوان: الجدران اللامرئية: العنصرية ضد السود

سلسلة كراسات الأوان: الجدران اللامرئية
العنصرية ضد السود
الاثنين 7 أيلول (سبتمبر) 2009
بقلم: الأوان



شارك في كتابة هذا الكراس:
رجاء بن سلامة، محمد نور الله، توماس آنجر Tomás Unger، هاشم صالح، محمد يوسف، نبيل فياض، حميد زناز، فريد العليبي، العادل خضر، سامي العباس، نيكولا جورنه Nicolas Journet، سعيد ناشيد، بيار ثوبي Pierre thuillier، حسن أوزال، عبد السلام بنعبد العالي، جون فرانسوا دورتيييه، هاشم صالح، شارلز إلوود Charles A. Ellwood، صلاح بو سريف، وديع الشامخ.
الترجمة:
إياس حسن، سليم سلامة.
من المقدمة
كانت الفكرة فتح ملفّات مختلفة عن «الجدران اللاّمرئيّة» التي تفصل، داخل مجتمعاتنا، بين مجموعات تتعايش في المكان نفسه، ولا تعيش معاً (لا يتزاوج أفرادها أساساً)
كأنّ جدراناً وحواجز لا مرئيّة تفصل بينها، تفصل بين الآخر والآخر القريب المجاور:
آخر الدّاخل، أو عدوّ الدّاخل، الذي يشار إليه بالبنان، في صمت، وبنوع من الإجماع الغريب.
وابتدأنا هذه السّلسلة بالحديث عن شتّى أنواع العنصريّة، التي نعيشها في مجتمعاتنا، ولا نتحدّث عنها في الغالب، لأسباب أوّلها، عدم وجود قوانين تمييزيّة ضدّ مستهدفيها، مع وجود حواجز تضعها العقليّات والممارسات الواعية أو اللاّشعوريّة. وثانيها، أنّنا مهتمّون دائما بالعنصريّة الموجّهة ضدّ العرب أو ضدّ المسلمين.

نحن لا ننكر وجود هذه العنصريّات التي تستهدفنا أفراداً ومجموعات،
ولكنّ اعتقادنا الرّاسخ هو أنّنا يجب أن نسائل أنفسنا أوّلاً، في الوقت نفسه الذي نسائل فيه الآخرين.
فطالب الحقّ يجب أن يعترف بحقّ الآخرين في هذا الحقّ نفسه، والطّامح إلى تغيير العالم يجب أن يبتدئ بتغيير نفسه أوّلا، حتّى يثبت شرعيّة مطلبه، ويضمن عدم غدره بمبادئه.وحتّى نتجنّب العموميّات الخشبيّة، رأينا ألا نغيّب العنصريّات المختلفة في ملفّ واحد، وأن نشرع أوّلا في الحديث عن العنصريّة ضدّ السّود كما نعيشها نحن.
من منّا لا يعرف فرداً من أفراد أسرته لا يجاهر باحتقار السّود، ومن منّا لم يسمع الجملة التي يتندّر بها بالفرنسيّة: «لست عنصريّاً.. لكنّني لا أحبّ السّود»، في صيغة واضحة أو مبطّنة؟ من منّا لم يشهد وقائع منافية للحقّ في الكرامة والمساواة، تعرّض لها أشخاص ليس لهم من ذنب سوى لون بشرتهم، فهي سوداء أو سمراء، أو أكثر سمرة من «المعتاد»؟ لماذا تغيب في بلداننا القوانين التي تجرّم الاستهزاء العنصريّ أو التّحريض على العنصريّة؟ ولماذا لا نرى في العالم العربيّ مسؤولين، في أعلى الهرم السّياسيّ، من ذوي البشرة السّوداء، على الرغم من وجودهم في مجتمعاتنا؟ ولماذا لم تحرّك مجازر دارفور ساكناً في شعوبنا؟ ولماذا نشهد بعد نجاح أوباما في الانتخابات الأمريكيّة المرحّب به عموماً تدفّقا لأدبيّات أشراط السّاعة، التي تتحدّث عن «ذي السويقتيْن»، يأتي من الحبشة ﻟ «يخرّب الكعبة»؟
من أين خرجت هذه الأدبيّات، إن لم تكن قابعة في أعماق ذاكرتنا، من دون وجود تراكم ثقافيّ وحقوقيّ يجعلنا نتركها، على أنّها إرث ابتعدنا عنه ولم نعد نريده؟
وماذا عن تواصل الرّقّ التّقليديّ الصّريح أو المقنّع في بعض ربوعنا؟
وماذا عن الاعتراف بدور العرب في تجارة العبيد، التي أسرت النّفوس، وأزهقت الأرواح، وأسهمت في مسار تفقير القارّة السّوداء ونكبتها؟

ماذا فعلنا في منظوماتنا التّعليميّة، من أجل مناهضة العنصريّة والحديث عن ماضي العبوديّة التي كرّسها «أجدادنا»؟

وهل اجتهدنا في تغيير لغة تخاطبنا، التي لم تختف منها كلمة «عبد» (في الخليج والمشرق) وكلمة «وصيف» (في بلدان المغرب)، لتسمية الذين ولدوا سوداً؟
أيّ رواسب ذكورويّة وأيّ دوافع عميقة تفسّر وجود هذه العنصريّة واستمرارها؟


ليست العنصريّة ضدّ السّود قضيّة مفتعلة أو ثانويّة،
لأنّها تتسبّب في الكثير من الآلام، وتتسبّب في تواصل عمليّات النّسيان والكبت الخانق.
جميع القضايا العادلة تتساوى، وكلّ أنواع الجور واللاّمساواة يجب أن تحظى بالاهتمام نفسه.فتحنا هذا الملفّ للشّهادة والذّكرى، والبحث والتّحقيق، حتّى نتّخذ المسافة الإبداعيّة النّقديّة من ثقافة «لا تشتر العبد إلاّ والعصا معه»، وهي ثقافة ما زالت تسكننا، وحتّى نوسّع مجال تسمية العنف الهادئ، الذي يسحق النّفوس، من دون أن يسيل الدّماء.
إنّه مجال آخر من مجالات ما لا يحتمل، أو ما لم يعد بالإمكان احتماله.
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [8]  
قديم 02-28-2013, 12:24 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود(1) : عنصرياتنا المتزاحمة
الثلثاء 3 شباط (فبراير) 2009
بقلم: إبراهيم محمود




تريدون أن تتحدثوا عن العنصرية؟ حسن إذاً، شدُّوا أحزمة الأمان، فالمطبَّات كثيرة وقاتلة إن دققنا فيها.
لكن مهلاً، عن أي عنصرية تريدون الحديث/ التحدث؟ فثمة عنصريات فولكلورية تميّز ثقافتنا التي تشكلنا بها وحافظنا عليها بصيغ شتى من باب الأمانة والإخلاص لأسلافنا، عنصريات كشكولية تباهينا بها طويلاً وما زلنا نتحفز باسمها في التعبير عما يميّزنا أخلاقياً وعلى أعلى المستويات!
عنصريات تتناهب فينا كينونتنا الجسدية، حيث اليمين قبل اليسار، والعقل قبل العاطفة، والفكر قبل الصورة، فصرنا في خوف من أنفسنا على أنفسنا، جرَّاء هذا الثالوث العنصري العضوي المؤصَّل فينا.
عنصريات تخترق لغاتنا ونحن وكلاؤها الاضطراريون، ممثّلوها، ملزَمون بحراستها والاستماتة في الدفاع عنها، لأنها تعنينا كياناً وبياناً، من خلال أفعال التفضيل، إذ يسهل إماطة اللثام عن أصولها الاعتبارية، والكشف الجلي عن مقامات التجنيس القيمية فيها في الأفضل والأحسن والأمثل والأبرز والأقوم…الخ، ولا غرابة في ذلك، إنما الغرابة حين يُتجاهَل هذا المد العنصري المتواصل في لغاتنا، من خلال ذكورية اللغة بالذات.
عنصريات تشدنا إلى وراء الوراء، إلى أسطورة التكوين، وهي تتمحور حول المفهوم الحوائي والآدمي للخلق البشري. حيث دشّنت عنصريتنا الخَلقية، وهي عنصريّة يتجدد إيقاع تكوينها منذ كان سام وحام ويافث. إلى درجة أن آدم نفسه، أي هذا المدوَّن عنه تاريخياً يتبدى لي واضع قواعد العنصرية" المثلى"، فحواء زوجته التي انسلَّت منه توراتياً رعت في جسدها نطفة زوجها الغرائبية الثالوثية الأجنَّة لاحقاً. مثلما أن الجبلَّة تلك مثَّلت بجعل آدم سابقاً على حواء، ويده على رأسها.
عنصريات الزمان والمكان، في الضرب بين عهود وعهود، باعتماد أرصدة معتقداتية ومذاهبية وجنسية وعرفية أو إثنية حيث الجهات لا تعود متساوية قيمياً، كما يعلم مؤرّخو الأنساب الأرضية بأقاليمها والبشرية فيها ضمناً.
وفي الأوج تأتي العنصرية اللونية في اسمها التليد تاريخياً، حيث جعلتنا إحَناً، أمماً دون أمم تتشظى بذاتها، إثر هذا الهوس في التدمير الذاتي للكينونة الواحدة فينا وما ننتمي إليه كونياً. وأشدد هنا على الأسود.
ويظهر أن الحديث عن الأسود يتجاوز كينونته الشخصية، فالأسود، كلون، كما علَّمونا منذ الصغر موطن الجن والعفاريت والخوف، مثلما أنه يرتبط بالليل والقبر والعدم، والأسود يتراءى عالياً نقيض الأبيض الذي طالما تباهينا به فيما نعرَف به وجهياً وكذلك قيمياً، فالوجه الأسود يحيل صاحبه إلى خانة السوء، مثلما الصفحة السوداء تشكل ترجماناً حياً لكل ذي سوابق، مثلما اليوم الأسود يمثل الأزمات المباغتة وحالات الضنك وغيرها.
الدائرة مستحكمة الإغلاق إذاً جهة الفصل بين الأسود المنبوذ لوناً ودلالة وعلامة فارقة، والأبيض المنشود حتى في الجنة، وصار الواحد منا مسكوناً بعقدة البياض (كل شيء نريده أبيض : الحليب واللبن والقشطة وحتى نهر الخمر غير المسكر في الجنة والحور العين (حيث: " البنت بيضا بيضا بيضا" كما تقول الأغنية)، واللباس الأبيض لباس الملائكة والمعنيين بالصحة من الأطباء، وكذلك الطهارة حتى في حالة الكفن وثوب العروس في المجمل…الخ). لا بل يمكن تتبع خطوط هذه العنصرية اللونية المفصلية، حتى إلى فضائنا المعتبَر خارجياً، إلى الثقب الأسود المهدّد للكواكب والنجوم، إلى ما هو اقتصادي، حيث تكون السوق السوداء، وما يكونه القرش الأبيض لليوم الأسود، ما يكون الحصان الأبيض في موسوعة رموزنا الأخلاقية والاجتماعية، ما تكونه الغريزة وهي المعتبرة سوداء رغم أنفها، ومملكة العقل موسومة بالبياض، وفي السياسة نتحاشى ذكر السواد لأنه يقلقنا ويذكّرنا بفجائعنا التاريخية ومآسينا التي لا تنسى، إذ ترفرف الرايات السوداء، وحتى في الهزيمة والاعتراف بها، يتم دحر الأسود من خلال التحصن بالأبيض، إذ نرفع ( الراية البيضاء)، وحديثاً ربما نحتفي بأثر البياض في تبديد السواد، عبر مفهوم الهجنة/ الهجنة: المولَّد- التوليد: hybrid- hybridity، من خلال سحنة أوباما الرئيس الأمريكي، كما لو أن الأمريكي " الأبيض" ومن يكون وراءه يريد اختبار أثره فيما يمكن لهذا المولَّد باسمه أن يكون بالنسبة له، حيث السمرة اللافتة تلبّي نداء بياضه أكثر من سواده في خافيته. إنها مستوطنة العقاب الكونية إذاً!
أظن في وضع كهذا، وجرَّاء هذا التحرير الشائن لمفهوم اللون، وتفضيل الأبيض على الأسود بإطلاق، طوال هاتيك القرون في تاريخنا، أو العقود الزمنية بالنسبة لأعمارنا،

من الصعب إدعاء أننا ننظر إلى الأسود كما هو الأبيض، رغما تردادنا الببغائي لمفهوم الفضيلة أو ما يخص إنسانية الإنسان بوصفها خارج الحيازة اللونية، وأننا محرَّرون من أي عقدة لونية.
لا بل يكذب، وبامتياز، كل من يعتبر الأسود في مقام الأبيض، ممن يتمتع ببشرة بيضاء أو ما يجاورها في الأبيض. إن الأسود بدءاً من مفهومه اللوني عدونا البغيض، العدو التاريخي والميتافيزيقي الذي طلِب منا طويلاً إعلان الحرب الجهادية عليه، وكأن الدنيا لا تعرف من الألوان غير الأبيض ليس إلا، حيث لم تستطع مجموعة من الأحاديث التي دوّنت في ظروف تاريخية، وما تم تفسيره قرآنياً حول هذا الموضوع، أن تجعلنا سواء.
باتت مشاعرنا وأحاسيسنا مثقَلة بوطأة الألوان وتقسيماتها. أصبحنا منقسمين على أنفسنا بأنفسنا، حيث تظهر العنصرية عقدتنا فيما نختار ونسمّي في كل ما يتصل بنا ذوقياً، وحتى فيما نتخيله ونتمثله ونحلم به.

إن عنصريتنا المودَعة والمشرَّشة فينا لا تطاق، حيث أشعرني وأنا في عمري الخمسيني، ملطخاً بكل جوارحي وحتى أفكاري وتصوراتي وخيالاتي بجرائم مرتكبة ضد الإنسانية، تتمثل في سفك الأسود في تاريخه الطويل، حتى وإن ادّعى كاتب نحرير هو الجاحظ ( ت 255 هـ)، أنه خارج هذا السرب العنصري الهائل، وذلك من خلال ( فخر السودان على البيضان)، ضرباً من ضروب المنبرية الموظَّفة، والواقع خلاف ذلك، كما يقول تاريخه!

وأعتقد أن ما أقوله ليس لوناً من ألوان المقارعة الشعرية، إنما حصيلة رؤية ثقافية تاريخياً، في نصوص الدين الكبرى، والنصوص الداعمة لها تفسيراً وتأويلاً، والأدبيات التي تبلورت بجمالياتها الطهرانية وقد تمحورت لونياً مستأثرة بالأبيض قبل كل شيء، حصيلة ما أراه وأقرأه هنا وهناك. العنصرية تفيض علينا إذ نطلبها ونقتتل باسمها، بالقدر الذي نشعر أن ممالأتنا لجانب منها، نصرتنا للأبيض وذمنا للأسود، هو الذي يرسم خطوطها الفجائعية الكبرى. ومن يقرأ ما هو منسوب إلى ساستنا ويتمثلهم أو ما يخص أولي أمرنا، وما يتشكل اعتبارياً على أساس لوني، هو الذي يعمّق سطوة جغرافيا العنصرية بمناخاتها المزرية وشرعة الفتك بالآخر باقتفاء أثر اللون!
إنه بروميثيوسنا الأبيض الذي نتباهى به، وقد كحّلناه ونوَّرناه واصطفيناه رمزنا المعتبَر في بياض، في الوهج الذي يحوط صفحة وجهه الناري كما هو إلهنا الوحيد الأوحد، كما هم ملائكتنا ورسلنا وأنبياؤنا الذكور حصراً، مبعدين أي صلة للأسود بما تقدم، متنكرين لحقيقة بروميثيوس الأسود والمتداخل مع الأبيض والأصفر وكل جنس خلائقي، حيث تكون أخلاقنا المعتمدة في أكثر حالاتها دونية، بسبب أبيضنا المعمَّم!
أورفيوسنا الأبيض إذ نصغي إليه ونتابعه صوتاً وصورة، وليس " أورفيوس الأسود" كما كتب عنه جان بول سارتر قبل ستة عقود زمنية ونيّف،
فأي سبق وعي تاريخي فيما نعلن عنه الآن حيث الآخرون تجاوزونا كثيراً فيما نخطط له تفكيراً، أو نرومه تدبيراً.
إنها ضريبة سلسلة العنصريات الكبرى التي نذمها ونحن نؤمُّها واقعاً.

لقد حاولت قبل عقدين من الزمن تتبع هذا الإبداع الجمالي والإنساني من خلال صوت هذا الأسود الذي قيل فيه الكثير سلباً، من خلال دراسة سوسيولوجية أنجزتها ولم أنشرها بعد، هي ( قيامة الرواية السوداء)، وأنا أتعرض لأسماء مدهشة فيما أبدعت فيه، كما في حال ( غينوا اتشيبي، نغوجي واثيونغو، كامارا لاي، غابرييل أوكارا، صنبين عثمان، فرديناند أويونو…الخ)، مثلما أنني تعرضت لهذه المفارقة اللونية سنة 1988، من خلال دراسة نشرت على حلقتين في مجلة ( كتابات معاصرة) اللبنانية (عدد 33-34)، وتحت اسم" أقنعة البياض"، وما أثرته حول ذلك، في كتابي ( جغرافية الملذات" الجنس في الجنة") الصادر عن شركة رياض الريس في السنة ذاتها، وأنا أتعقب هذا الفصل العنصري في اختيار الجنس ومفهوم المتعة على أساس اللون…الخ.
إزاء هذا التشعب في مفهوم العنصرية، وراهناً، لا يمكن أن نعتبر أن الإعلان عن رفضنا لما يجري، يضعنا على ( السكة) الصحيحة، إنما ثمة لوياثان ممدوح في واعيتنا الجمعية، وحتى على الصعيد الفردي فينا، بعيداً عن المنبرية الأخلاقية والاجتماعية والسياسية أو الخطابية المبهرجة. هل يمكن لنابذ العنصرية، أعني به هذا المثقف التنويري المحلَّى بالبياض الإلهي الفطري، وبصدد العنصرية الجلية حضوراً في تنوع أسمائها ومسمّياتها، هل يمكن له أن يؤكد أنه بمنجىً من لوثاتها، وأن ذلك اللوياثان باعتباره أسود أو يحمل فيروسه، مؤمَّم من تأثيره، وأن ما يقوله ليس أكثر من مفرقعة في سماء ليلة رأس سنته النخوية العارضة إنسانياً يتباهى بها، ليبصر وهج لونه المحبب إليه : أبيضه تحديداً؟ فدققوا في هراء قوله إذاً!

بالنسبة لي، وبملء فمي أقول : يلزمني الكثير واقعاً، لأتحرر من جمهرة العنصريات المشار إليها، طوال هاتيك السنين، لأنني لا أكتمكم سراً، أعيشها كما يعيشها سواي، من خلال ثقافة قائمة تتجاوزني، وتتحداني إذا حاولت خرق حدودها المطوطمة، مع فارق الألم القائم في الانتماء والنسَب، إذ أكون ضحية متجددة في ظلها الوخيم، حيث الظل ذاته نفخة سواد أو مذكَّر به!
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [9]  
قديم 02-28-2013, 12:31 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود 2 : الجدران اللامرئية ـ ثقافة الـ بلينغ بلينغ
الاربعاء 4 شباط (فبراير) 2009
بقلم: مها حسن





-1ـ
إذا كان كلّ عبد هو أسود، فكلّ أسود إذن، هو عبد .

ليسمح لي "الأوان"، الذهاب بهذا العنوان الشيّق " الجدران اللامرئية " ، وهو يشبه فتحا في أقانيم سرية، أو إيغالا في غابات مجهولة، لم يسبق لأحد الاقتراب منها .
الجدران اللامرئية، هو اكتشاف مهمّ، بمثابة مجهر قويّ، لتسليط الضوء على حالات الفوقية والاستعلاء الموجودة في الذهنية العربية، والقائمة على احتقار الآخر.
الثقافة التي نحياها بشكل سرّي في كلّ يوم، عبر تعبيراتنا التلقائية عن المضض من تواجد الآخر المختلف .
لن أتوقّف طويلا عند الموقف من " السود " في سورية، البلد الذي قدمت منه، لأنّ وجود السود نادر جدا، وكلّ " اسود " في سورية ، هو " أجنبيّ ". أو عربيّ قادم من بلد عربيّ آخر، كالسودان أو موريتانيا …
أريد أن أذهب بهذا الملفّ نحو أقنوم آخر، للتحدّث عن العبودية. والعلاقة الإشكالية بين الحرّـ العبد، السيّد ـ الخادم .
في العقلية العربية التقليدية، وأنا لا أعمّم أبدا، بل أتحدّث دوما عن الوجه السائد لهذه الثقافة، التي أحمل الكثير من مفرداتها، فإنه ثمّة تمازج بين كلمتي العبد والأسود. وأظنّ أنّ الإسلام لم يلغ العبودية حتى اليوم .
كانت أمّي، وأظنّ غيرها الكثير من رجال ونساء المنطقة، تصف كلّ أسود بأنّه عبد، وتطلق لفظة عبد على كل أسود. وفي القصص التي ترويها جداتنا، نقول " تحوّلت أمامه إلى عبدة سوداء … "، للتعبير عن تغيير مشاعر الحبيب، الذي صار يرى حبيبته في أبشع صورة. كما لو أنها مُسخت، فأصبحت في أسوأ شكل.

-2ـ
قل لي ماذا " تعمل "، أقل لك من أنت .
من خلال مشاهداتي لعلاقة العرب مع " الخدم "، أستطيع أن أجزم، أن العربيّ، لم يتخلّص من عقد السيادة.
فمعظم العرب، وأؤكد دوما أن الحديث لا يشمل جميع العرب، بل أتحدث عن الثقافة العربية السائدة، يتعاملون مع الخدم أو "الجراسين" بطريقة استعلائية. ولا يغفل أن " الخادمة " وأحيانا " السيرلانكية "، أصبحت موضة في الثقافة العربية البورجوازية، للدلالة على رقي هذه العائلة. وأصبحت " الخادمة " ماركة، مثل السيارة، أو المجوهرات…
وفي خبر طازج أثناء كتابة هذه المادة، أنّ فتاة أندونيسية تعمل في استراحة بـ "مكة المكرمة "، قد تعرضت للاغتصاب من 13 سعوديا، تناوبوا عليها. علما أنه سبق أن تعرّضت إحدى الخادمات لسوء المعاملة، مما أدى إلى موت أطرافها الأربعة وقيام الأطباء ببترها .

هذا يحدث، ليس فقط، لجهل الثقافة العربية بمفهوم حقوق الإنسان، ولكن لإصرارها على التعالي في التعامل مع الآخر، والاكتفاء بالملاءة المالية، كمقياس وحيد وأساسيّ في إطلاق الأحكام، وتقييم هذا الآخر .

تعجّ الثقافة العربية بالنظرة المشوّهة في التعامل مع بعض المهن، كما لو أنها متدنية. فيتعامل العربي مع خدم المطاعم، كأنهم منحطّون . وتعتبر مهنة " جرسون "، مهنة دنيئة. بينما هي في أوربا " مهنة " كغيرها من المهن، والكثير من المشرقيين، " ورثة ثقافة الاستعراض "، يشتغلون كـ " جراسين " في أوربا، ويخفون هذا عن أهلهم، فيتباهون بالتمويه أنهم يعملون في " المهن الحرة" .
كل هذا ناجم عن لغة المال السحرية، في العالم العربي، اللغة التي ورّثتنا الاستعلاء، والدونية معا. وهذا فارق كبير نحسه في الغرب. ففي الشرق يتم تقييم الإنسان بناء على " العدد "، أو الرقم المالي الذي يصرفه ويملكه .وأنا لا أبرّئ الغربي كثيرا من هذه التهمة، إلا أنّ تعامل الغربيّ مع المهن " الدونية " يتّسم بذكاء، أنه لا يعبر عن هذا، وإن أحسّ به .
فمن النادر أن تجد فرنسيا يعمل زبّالا، وهذه المهنة محجوزة تقريبا، للسود أولا وللعرب ثانيا. إلا أن الفارق، أنه في الثقافة الغربية، فرنسا كبلد أعيش فيه نموذجا، فإنّ صيحات الاحتجاج على هذا تنطلق من هنا وهناك، ويعرف الكثير من القراء العرب، الذين لا يعيشون في فرنسا، حجم السخرية والتهكم والاستهجان الذي يقابل به الرئيس الفرنسي، لاهتمامه بمظاهر مادية باهظة، كساعة الرولكس، التي لا تفارقه في برنامج " الغينيول " الذي يسخر منه، ويسمّون سلوكه بـ " بلينغ بلينغ "، للدلالة على التباهي بالترف، أو الترف التفاخري، إذا ترجمنا المفهوم حرفيا. كما أنّ " داتي " لم تفلح حتى اليوم، وزيرة العدل الراحلة قريبا من الوزارة، بانتزاع صورتها في البرنامج ذاته، وربما لا يهمّها الأمر، الذي يظهرها مع خواتمها باهظة الثمن، والتلميح إلى قيامها بشراء أثوابها من أفخر الماركات .
في فرنسا، لا يعتبر ارتداء أحدهم لساعة الرولكس، أو تفرده بنزهة على " يخت " تكلف أرقاما مذهلة، كامتياز أو فخر، أو فرصة للتباهي . لأنّ الثقافة الفرنسية لا تزال في خير، ولا تبالي بالظواهر السطحية، بل تتظاهر وتحتج، وتهتم بصدق، بالأزمات المالية التي تحيط بالبلاد. وهذا ما يميّز المثقف الغربي عن المثقف العربي، فالمثقف الغربي منسجم مع ذاته، ولا تهمه نظرة الآخر، ولا تقييمه له، كرصيد في البنك، أو بزّة أو طقم أو ثوب من شانيل …. أما العرب، وهذا يحيلنا إلى الرقابة بأوجهها المتنوعة، فلا يزال المثقف العربي، والمثقفة العربية على الأخص، عبدا، أو عبدة، لمفهوم الآخر، في تقييم أحدنا، من ماركة ثيابه، عطره، ربطة عنقه، الحيّ الذي يسكن فيه…
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [10]  
قديم 02-28-2013, 12:37 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود(3)- حلم " لوثر كنج" و حلم العرب
الخميس 5 شباط (فبراير) 2009
بقلم: سلوى الشرفي






تهتمّ الدولة في بلدي بما يسمّى بمناطق الظّل، تلك المناطق التي لم تحصل على حظهّا من التنمية، فتخصّها بالإحصاءات وصناديق المعونة، غير أنها، وباستثناء اليهود، ولأسباب اقتصادية وسياسية، لم تهتمّ بعد بأقليات الظلّ.
فلا توجد في بلدي إحصاءات حول المواطن التونسيّ الأسود،
والأمر في حدّ ذاته يعدّ مؤشّرا على الإنكار بالمعنى النفسيّ للكلمة، وليس على التهميش فقط.

ونعرف، بالملاحظة، أنّ الإنسان الأسود في بلدنا يمثل أقلية، وأنه لم يرتقِ إلى الطبقات الاجتماعية المؤثّرة، ولا يوجد في مناصب أخذ القرار العليا، وأنّ الزواج بين اللونين يبقى مستهجنا حسب المقولة الشعبية التونسية "يا لطيف، يا لطيف، الحرّة ولدت وصيف" أي أنّ السيّدة البيضاء ارتكبت جريمة بإقامة علاقة جنسية مع عبدها وأنجبت طفلا أسود، مما يستوجب طلب اللطف من الله.
وفي بعض الدول العربية ما زال الحقوقيون يطالبون بمنع الرقّ، وفي الغالب يكون العبيد في تلك البلدان من السّود.
كما تمنع في تونس المرأة المسلمة من التزوّج بغير المسلم، ويدخل في ذلك اليهودي ّوالمسيحيّ. وفي المقابل يبدو من الطبيعي أن يتزوج الرجل التونسي بامرأة ’من أهل الكتاب" أو حتى من المشركين. ويحصل أن تفسخ خطوبة في البلدان العربية لمجرد الاختلاف حول "مهر المثل" حيث لا تقبل المساواة في المهر بين "الوضيعة" و"الشريفة".
وقد ساويت عمدا بين إقصاء الإنسان الأسود من جهة والعنصريّة الجنسية والاجتماعية والعقائدية في ثقافتنا، باعتبار أن جميع هذه الظواهر متولّدة من منظومة معرفية تقوم على نبذ الآخر بسبب جنسه ولونه ودينه وعرقه، وهو ما يفسّر وجود العنصرية ضدّ السود في الثقافة الإسلامية رغم نبذ الدين الإسلاميّ لذلك.

إنّ إدانة شكل واجد من التمييز في المنظومة الإسلامية مع الإبقاء على التمييز الجنسيّ والديني والاجتماعي لا يسمح بالقطع مع هذه الظاهرة. فوحدها القطيعة المعرفية الشاملة مع المنظومة العتيقة قادرة على القطع مع هذه الظواهر مجتمعة.
فهل يمكن حصر ظاهرة وصول رجل أسود، من أصول إسلامية وإفريقية حديثة، إلى سدّة الحكم في بلد تطغى فيه ثقافة الإنسان الأبيض المسيحيّ الغربيّ، في مجرّد قرار سياسيّ مثلما يتداول في الفضاء العامّ العربيّ بخصوص تولي "مبارك حسين أوباما" رئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية؟
فالظاهرة وإن كانت تحمل رسالة سياسية واضحة، إلا أنها ليست وليدة المجال السياسي فقط، بل هي نتاج المنظومة المعرفية السائدة في الغرب.

كما أنها، وباستثناء قيمة المنصب الذي وصل إليه "أوباما" لا تعتبر سابقة. فقبله مسك الجنرال الأسود "كولن باول" مقود سياسة الدفاع والسياسة الخارجية لأعظم دولة في أحرج فترة. وتلته في نفس المنصب ’كوندوليزا رايس" التي كانت قبلها مستشارة رئيس الدولة. أي أنّ كلاّ من الجمهوريين والديمقراطيين لم يستنكفوا من تسليم مناصب أخذ قرار مهمّة وحساّسة إلى مواطنين أمريكيين بقطع النظر عن لونهم وعرقهم وجنسهم البيولوجيّ.
كما كان الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة، كوفي عنان، كان أسود نيجيريا وقد سبقه إلى ذلك في اليونسكو "المختار مبو" وهو من السود الموريتانيين ويترأس السينغالي "عبدو ضيوف" منظمة الدول الفرنكوفونية.
وفي فرنسا عيّن الرئيس "ساركوزي" وزيرة إفريقية وأخرى من عائلة مسلمة ومتواضعة اجتماعيا وذات ملامح مغاربية واضحة في وزارة سيادة. وأنجبت الوزيرة رشيدة داتي طفلة "خارج الصيغ القانونية" كما يقال عندنا تلطيفا لكلمة لقيط.
بل إن رئيس الدولة الفرنسية ذاته يعتبر من المهاجرين ومن ذوي الأصول اليهودية، وقد عاش لفترة في قصر الإليزيه دون عقد زواج مع فنانة تحمل الجنسية الإيطالية رافقته في زيارات رسمية إلى دول عربية. وأصدرت الفنانة "كارلا بروني"، بعد أن أصبحت رسميا السيدة الفرنسية الأولى، ألبوما غنائيا قامت للترويج به بنفسها.
تتطابق هذه الظواهر مجتمعة مع مضمون البند الأول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينصّ على أن الناس يولدون أحرار ومتساوين بقطع النظر عن الدين واللون والجنس واللغة… وهو البند الذي يعبّر بدقة عن مفهوم المواطنة بالمعنى الحداثي للكلمة.
إنّ مثل هذه الظواهر لا يمكن أن تحصل في مجتمعات تنصّ دساتيرها بوضوح على ضرورة أن يكون رئيس الدولة مسلما وتقصي النساء ضمنيا من حق القيادة وتسود فيها ثقافة الرعيّة ومقولات "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" و"الرجال قوّامون على النساء" "ولن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" وأخرى تصرّ على "الكوتا" الطائفية في تعيين الرؤساء وحتى الموظفين، وغيرها حيث تتقاتل مجموعة من دين واحد بسبب اختلاف المذهب،

وحيث أبدع جماعة منها بالتعليق على خبر وصول أوباما إلى الحكم بالنّبش في كتب الحديث حيث ثبت، حسب قولهم، في صحيحي البخاري ومسلم أنّ الرسول قال: "يخرّب الكعبةَ ذو السويقتيْن من الحبشة" وتساءلوا:" هل يفعلها باراك أوباما ليكون هو الحبشيّ الأسود الذي يخرج في آخر الدنيا ويهدم الكعبة؟"

في ثقافة الرعيّة هذه تقبع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "كوندوليزة رايس" في أسفل درجات السلّم الاجتماعي. فهي أنثى وسوداء ومسيحية. أما رشيدة داتي فهي تستطيع بالكاد أن تكون قاضية في بلدها الأصلي، وإن سمح لها القانون بتولّي منصب من مناصب القوامة فلن يسمح لها بالتوقيع على عقد زواجها مثلما حصل مع وزيرة العدل الجزائرية السابقة. هذا طبعا قبل أن تنجب رشيدة داتي "لقيطة" أما وقد فعلتها فيمكن أن تكون الآن في عداد المقتولات رجما.
غير أننا حين نعلم أنّ أوروبا التي قطعت مع المعرفة القديمة منذ أكثر من قرنين، أنتجت المحرقة اليهودية من ستة عقود، وأنّ والد الرئيس أوباما ووالدي "كوندوليزا ريس" لم يكن باستطاعتهم مجرد تناول وجبة في مطاعم البيض قبل خمسة عقود وأنّ القسّ "ماتين لوثر كينج" أشهر زعيم أسود في أمريكا اغتيل من أربعين عاما فقط لمجرّد محاولته تحقيق "رؤية بعد ظهر اليوم" حسب مقولته الشهيرة : I have a dream this afternoon.
وأنه ما زال فينا من يناضل من أجل تطبيق نظام قصاص العين بالعين ومن يجادل حول الطريقة الأفضل لتغطية جسم المرأة، يمكننا التساؤل متى يتحقق حلم الإنسان الذي يعيش في المنطقة الإسلامية بأن يكون لكلّ فرد صوت في انتخابات نزيهة.
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [11]  
قديم 02-28-2013, 12:47 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود(4) - نعم... عنصريون
الجمعة 6 شباط (فبراير) 2009
بقلم: محمد ديبو





إلى الروائية السودانية رانيا مأمون والشاعر السوداني حسام هلالي، وإلى لون بشرتهما المضيئة كشمس الصباح .

أوّل ما قرأت ملفّ الأوان الجديد: العنصرية ضد السّود، تذكّرت زيارتي إلى جنوب إفريقية، البلد الذي عانى شعبه الاضطهاد والتمييز العنصريّ بأبشع أشكاله على يد المستوطنين (البوير) ذوي الأصول الهولندية والغربية . تجولنا أثناء رحلتنا على متاحف كثيرة تؤرخ هذا الظلم الكبير، وتؤرشف ذكريات يجب أن تبقى حاضرة وشماً في ضمير العالم كي لا تتكرر هذه المأساة التي حلّت على شعب مسالم بسبب لونه وجشع الآخرين، هذا الشعب الذي لم يبرأ حتى هذه اللحظة من تبعات التمييز التي مازالت موجودة في أحشاء المجتمع ومازال الشعب هناك يناضل للتخلص من تبعاتها وقطع جذورها الممتدة في الوعي والثقافة السائدتين.

لن أتحدث هنا عن تاريخ العنصرية هناك فقد كتب عنها الكثير، ولكن سأتحدث عن عنصريتنا نحن الذين ذهبنا هناك لنرى بقايا العنصرية فاكتشفنا وجودها فينا. عندما وصلنا مطار كيب تاون محطتنا الأولى في جنوب إفريقيا كان الأشخاص المسؤولون عن مرافقتنا: السائق رمزي، مسلم ملّون، وباتريك مسيحي أسود. منذ اللحظة الأولى وجدنا أنفسنا أقرب إلى السائق رمزي المسلّم والملّون ( هل لأنه مسلم؟ أم لأنه ملون؟ أم الإثنان معاً ؟ )، بينما كان تعاملنا مع باتريك الأسود شبه رسمي. ولكن بعد يومين بدأ أصدقائي فيما بيننا يسخرون من باتريك ومن بشرته ومن شكله، طبعا هذا الأمر لم يكن بشكل مباشر وصريح، وإنما من خلال بعض التلميحات المبطنة ولكن الواضحة في دلالتها وعنصريتها كقول صديقي ساخراً " سنزوّج الفتاة من باتريك " وهو يقصد الفتاة التي كانت معنا ضمن الوفد. و"باتريك أليس لديك صديقة!" وكأننا نستهجن أن يكون لديه صديقة تقبل النوم معه! ولكن عندما أخبرنا بأنّ لديه صديقة قال لي صديقي " الله يعينها ". وغيرها من التعابير التي كانت تنطلق منا بشكل عفوي وكأنها شيء طبيعي .
عندها فطنت إلى خطورة ما نحن فيه وبدأت أدقق أكثر في ردّات فعلنا وطريقة تعاملنا، وقد لاحظت أن أصدقائي يتحاشون الانفراد بباتريك ويتحاشون أخذ الصور معه، ولكن بالمقابل يجلسون مع رمزي المسلم ويتصورون معه، وقد دخل صديقي الطبيب المتدين في جدل معه حول الإسلام والقرآن، حيث سنكتشف أنه يحفظ القرآن هو وزوجته غيبا ولكن دون أن تعرف هي القراءة بالعربية. وعند زيارتنا إلى منزله سيقدم لنا مشروب يقع في مرتبة بين العصير والنبيذ ويقول : أنهم أرسلوا هذا المشروب إلى السعودية ليتأكدوا إن كان مباحا أو محرّما، وجاءت الفتوى بتحليله. ورمزي هذا رغم أنه كان ضحية التمييز العنصري، فهو متعصّب بطريقته حيث قال لنا عندما صادفنا شابين مثليين بأنهم شياطين! وعندما طلبت لحما في أحد المطاعم: بادرني بالقول إنه غير متأكد أنه مذبوح على الطريقة الإسلامية فقلت له: لا يهمّ. عندها بدأت قطيعة مضمرة بيني وبينه خاصة عندما شربت بيرة في طريق رحلتنا إلى جزيرة روبن( الجزيرة التي سجن بها مانديلا ورفاقه)، فلم يستطع إخفاء امتعاضه: مسلم واسمي محمد وأشرب بيرة !
ولكن أصدقائي ستترسخ علاقتهم به لأنه مسلم وملوّن ربما، وستصبح علاقتهم مع باتريك ثانوية. وخلال لقاءاتنا في الجامعات كان أصدقائي يميلون فطريا باتجاه الطلاب والطالبات البيض ويلتقطون الصور معهم .

الأمر الذي يكشف عن ثقافة وعادات وقيم تترسخ في داخلنا، ثقافة تجعل من الأبيض سيّدا ومن الأسود درجة ثانية، شئنا أم أبينا.

كثيرة هي الأمثال والكلمات التي نرددها لاشعوريا عند تعليقنا على شخص ما فنقول: إنه مثل العبد أو يشبه القرد، أو تعليقنا على فتاة بأنها فحمة سوداء، ومن الأمثال التي يتم تداولها يوميا: الله يسوّد وجهك بهدلتنا وغيرها الكثير من الأمثال المترسخة في لاوعينا، ونتداولها علناً دون أن ندرك مدى عنصريتها .
ولكن لمَ نلوم الناس، ألم يقل الله عز وجل في كتابه العزيز في سورة آل عمران، الآيات (104- 107) :
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيّض وجوه وتسوّد وجوه فأما اللذين اسوّدت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيّضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون).
ألم يحدّد الله أنّ أصحاب البشرة البيضاء يمثّلون الخير وأصحاب البشرة السوداء يمثلون الشرّ، ألا يحددّ الله هنا أنّ الذي يصيبه الخزي يسوّد وجهه ! لماذا لا يبيّض مثلا ؟

ألا يمثل القرآن هنا جذرا ثقافيا نستمد منه الكثير، ونبني عليه دون تدقيق وتمحيص،
أليس المثل الشهير الذي نتداوله : (الله يسوّد وجهك متل ما سوّدت وجهنا ) مستمدا من الآية القرآنية.

من هنا تأتي دعوتنا لإعادة قراءة هذا التراث الإسلامي وإعادة تقديمه في قراءة عصرية تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الثقافية والعلمية،
لأنّ القرآن عندما نزل في شبه الجزيرة العربية، كان مفهوم العبيد والرق مازال سائدا،
فكان يحدث الناس آنذاك بلغة أقرب لوعيهم السائد .

***

هذا الأمر لا ينطبق على علاقتنا مع ذوي البشرة السوداء فقط من دول أخرى، بل يتعدّاه إلى علاقتنا مع أشخاص يعيشون بيننا ، لهم لون بشرة مائلة للسواد، أو يعانون تشوّها ما في جسدهم، فنعاملهم بطريقة غير لائقة ونتحاشى إقامة علاقات معهم، وأعرف عائلات رفضت زواج أبنائها من فتيات، فقط لأنهن غير جميلات أو ذوات بشرة مائلة للسواد رغم حصولهن على أعلى الشهادات. وأعرف عائلات أخرى رفضت تزويج بناتها لسودانيين، فقط لأنهم سودانيون!
سألت أصدقائي السؤال التالي: هل تتزوج فتاة لونها أسود إذا أحببتها؟
كانت كل الإجابات (انتبه كل الإجابات وليس بعضها ): وهل تعتقد أنني قد أحب امرأة سوداء هذا أولا، وثانيا حتى لو حصل وأحببتها فلن أتزوجها . وعندما كنت أواجههم بالقول: أليس هذا عنصرية؟ أليس هذا موقف عنصري من إنسان بسبب لونه؟
كانوا ينظرون إلي نظرة زئبقية، ثم يسألونني :
وأنت هل تتزوج امرأة زنجية ؟
نعم، أتزوجها
أنت كاذب، هيدا كلام نظري، حكي مثقفين.

إذن هم مؤمنون تماما أن الزواج من امرأة ذات لون أسود، ليس من طبيعة الأشياء، إنما هو أمر (إن حصل ) نادر، شاذّ، خروج عن الطبيعة، ولعمري تلك هي العنصرية بعينها.
والأخطر أنها عنصرية مقنّعة، لا يحس بها المرء، تعيش معه ويتعامل معها كأمر طبيعيّ،
الأمر الذي يجعلنا نتساءل : كيف ترسخت تلك العنصرية في وعينا ؟ من أين أتت ؟ ما هي جذورها ومصادرها؟ من أين تتغذى لكي تستمر؟

يحتاج الأمر لعلم نفس الجماعات والشعوب للإجابة عن هكذا أسئلة معقدة ومتشابكة .
أتذكر أيضا، أنه عندما زارني صديقي الشاعر السوداني حسام هلالي. كنا نجلس في مقهى الروضة الدمشقي عندما جاءت صديقة لي شاعرة فعرّفتها عليه،
فقالت: صحيح سوداني لكنه حلو! الأمر الذي يعني أن السوداني غير جميل إلى أن يثبت العكس!

لماذا؟ لأنه أسود، فالأسود في عرفنا غير جميل، يتحدد الجمال بالبشرة البيضاء والقوام الممشوق والنهود المشرئبة والجسم ذو العضلات بالنسبة للشاب وغيرها .
أعرف أنّ صديقتي ليست عنصرية ولم تقصد الإساءة أبدا، ولكن هذا نموذج عن بنية الثقافة التي نحملها والتي تحوي الكثير من الأمراض والأقوال التي نرددها ببغائية دون أن ندرك مدى جرحها للآخر المختلف عنا لونا و قافة ودينا، ودون أن ندرك مدى خطرها علينا بالدرجة الأولى لأن العنصرية خطرة على صاحبها قبل خطرها على العدو أو الخصم أو الشريك في الوطن .

بينما كنت أكتب هذه المقالة قال لي صديقي بعد أن اطلع على ما أكتب، أنه حتى في الملاهي وبيوت الدعارة هناك عنصرية واضحة ومقيتة،
فيكون سعر الدخلة (فقط دخلة أي مدة حوالي عشرين دقيقة على الأكثر) مع البنت البيضاء القادمة من أي بلد أوربي حوالي 200 دولار
بينما يكون سعر الليلة كاملة مع البنت ذات البشرة السوداء أو الملونة يتراوح بين 50 و100 دولار.
حتى في الدعارة عنصرية وتمييز. (فوق الموته عصّة قبر) على ما يقول المثل الشعبي.

يتساءل المرء أين تكمن تلك العنصرية المخبوءة؟
ما الذي يجعلها تستمر في لاوعينا دون أن نحس بوجودها؟
إلى أن نفاجأ أنها تسكننا حتى نحن من يتعاطى شؤون الثقافة التي من المفترض أننا تحررنا منها؟

دائما نتساءل نحن العرب، أين الغرب من عنصرية إسرائيل؟
ولكن لنسأل أنفسنا أين أصواتنا في ذم نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عندما كان قائما ؟
أين مواقفنا مما حصل في رواندا أو دارفور أو حتى منطقة البلقان؟
أين أصواتنا في نقد الظلم الواقع على الأقليات التي تعيش بيننا؟


كم يمتلأ تاريخنا وتراثنا بحياة الجواري والعبيد، التي مازالت حتى اللحظة تدرّس في جامعاتنا ومدارسنا؟ ألم يحن الوقت لتقديم نقد عنيف لهذا التراث، والاعتراف بأن تاريخنا مثله مثل تاريخ أية أمة أخرى يحفل بالخير والعنصرية ومعاداة الآخر، أليس علينا أولا الاعتراف بوجود الشيء كمقدمة لحلّه، من أجل تجاوز ذلك والتطلع للمستقبل، لأن تراثنا يهيمن علينا في الكثير من الأمور .
مازالت ثقافة العنف والجواري والحور العين والعبيد هي المهيمنة، وستبقى ما لم نقدّم القراءة النقدية الجذرية لهذا التراث. ويجب أيضا سن قوانين عصرية يتم بموجبها محاكمة كل من يحرّض على العنصرية أو يتعرّض لشخص ما بسبب لونه أو دينه أو عرقه .

وأخيرا لا بدّ من السؤال:

أين علماء الاجتماع العرب، الذين يجب أن تشكل الأمراض الاجتماعية التي يحفل بها العالم العربي والوعي العربي مجال عملهم ؟
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [12]  
قديم 02-28-2013, 01:09 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

سنُدرج هنا رداً على المقال أعلاه ورد صاحب المقال
ذلك لإجلاء اللبس الذي قد يحصل لدى البعض

سنبدأ بالرد الأول أدناه:
التعليق على هذا المقال
تعليقات حول الموضوع
hgvdhq - محمد جميل احمد
6 شباط (فبراير) 2009 03:56
خلط كاتب المقال بطريقة بالغة الفجاجة والاستسهال بين معنى الآية القرآنية (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) وبين فكرة العنصرية كمدلول لهذه الآية .
وهو تسطيح لا ينتبه إلى أدنى مفهوم للنص من حيث هو إخبار بصورة وصفية تأخذ معنى اللون كدلالة على الأفعال السيئة في يوم القيامة ، ضمن خطاب جاء ليعبر عن معانيه من داخل نظام اللغة التي تواطأ عليه المخاطبون .
وبما أن دوال اللغة على الأشياء تأتي اتفاقا وقابلة للمواضعات المختلفة بين جماعة بشرية وأخرى ، فإن أي علاقة تقرن دلالة النص في الآية بفكرة العنصرية هي ضرب من الإسقاط الذي يضمر فقط تأويلا آيدلوجيا من خارج الحقل المعرفي لخطاب الآية القرآنية ومعناه .
أما عن العنصرية فربما لا يعرف الكثير من العرب أنها تستوي علامة واضحة على عارهم المقيم : التخلف .
ذلك أن عدم الانتباه الواعي والبديهي لإنسانية الإنسان في كونها عابرة للألوان والأعراق والأديان والمذاهب ، هو الوجه الآخر لعملة التخلف .
والحال أن من مفارقات التخلف الساطعة هنا : أنه لا يعبر عن عدم الاحساس بالعنصرية في كونها عارا فحسب ، بل يقلب منطقها أيضا عبر تعبيرات تجد في السلوك العنصري ـ لفظا وفعلا ـ كما لو كانت تصرفا عفويا وعاديا . أي أن العار هنا يستوي سلوكا عفويا محببا عبر الكلمات والأمثال والمواقف العنصرية التي تتماهى مع مزاج المجتمع . ان صعوبة القدرة على الفرز بين الموقف الواعي من عنصرية اللون ، وبين التسريبات اللفظية التي تتسلل عبر اللاوعي حتى لدى المثقفين هي نفسها درجة الحضيض التي تستوي مؤشرا على التخلف .

ففي المجتمعات المتقدمة يكون الاحساس بالندم والخزي والعار هو وحده ثمن التعبير بعنصرية اللون في الضمير الفردي ، فضلا عن العقاب القانوني الصارم الفعال والموازي لقبح العنصرية .
إن عادية العنصرية ضد السود في المجتمعات العربية لا تضعنا أمام تحيز عنصري فحسب ، بل هي وجه آخر أيضا للاستخفاف بقيمة الإنسان ؛

وجه يجد تعبيراته الأخرى في منطق التخلف الحاكم لعلاقات الذكر والأنثى والقوي والضعيف والملل والنحل . صحيح أن الانحياز إلى الشبيه ميل غريزي ، لكنه في المقلب الآخر طبيعة جوهرانية معبرة عن روح القطيع . ذلك أن الروح الإنسانية الواعية تنتبه للمعنى الإنساني في الآخر الأقلوي المختلف في اللون والمذهب والدين لتغتني من ذلك الاختلاف . ولهذا فإن ما ساقه صاحب المقال عن استحالة تزويج السودانيين في بعض المجتمعات العربية ، وماساقه عن رأي أصدقائه حول استحالة زواجهم من امرأة سوداء ، لا يعبر عن فعل التخلف اللاواعي فحسب ، بل يكشف عن محدودية الأفق وغياب المعنى في العلاقات الإنسانية لتلك المجتمعات التي يتحدث عنها ،

فما يراه هؤلاء مستحيلا حدث ويحدث باستمرار في المجتمعات المتقدمة ولأسباب إنسانية
هي عكس الأسباب التي يفترضها أصدقاء صاحب المقال ؛
أسباب منها الوعي والحب والصداقة والاحترام وغير ذلك من القيم الإنسانية .

العنصرية أيضا فكرة تنطوي على (ارتدادات ذاتية) فهي لا تقف على اللون بل تخترق حتى اللون الواحد (الاستخفاف الذي يصاحب نظرة أهل نجد إلى أهل الحجاز ، ونظرة أهل الحجاز إلى الحضر ونظرة هؤلاء إلى الأجانب في السعودية مثلا ، وكذلك نظرة القبائل العربية الهجينة في السودان إلى القبائل الزنجية كما في وضع دارفور مثلا) . ومن الغريب أن الكاتب يحمل النص القرآني معنى العنصرية ويغفل عن نصوص أخرى واضحة الدلالة وقاطعة على نبذ العنصرية مثل قول القرآن (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) أو قول الرسول الكريم (لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) والفضل هنا بمعنى الزيادة ، وهو مايفسره حديث آخر يقول (الناس سواسية كأسنان المشط) وبما أن هذه النصوص توصف بأنها نصوص مقدسة فهذا ما سيجعلها في دائرة الاهتمام والالتزام بمعانيها كما فعل المسلمون الأوائل . لكن اغلب المثقفين الحداثويين لا يرغبون في ذكر هذه النصوص ولو من باب الأمانة العلمية للأسف . طبعا هذا لا يعني دفاعا عن الثقافة الشعبوية التقليدية التي تعج بالعنصرية ، بقدر ما يعني إدراك النسبة والتناسب بين التخلف والعنصرية عبر الاقتران الشرطي . كما أنه من الواضح هنا أن العنصرية عندما كانت متحققة في الغرب كانت أسوأ بكثير منها في نفس الحقب التاريخية المزامنة لها عند المجتمعات العربية ـ رغم بشاعة عنصرية اللون من حيث المبدأ ـ فإذا كان الزنوج والخدم يطلب منهم الصفير الدائم أثناء حملهم للطعام في الممرات ليتأكد سادتهم البيض من أنهم لا يمكنهم تذوق الطعام في أمريكا ، وحين يكون الإعدام مصير الزنجي الذي ينظر مجرد نظرة إلى المرأة البيضاء حتى أواخر القرن التاسع عشر ثم يحدث بعد ذلك أن يصل رئيس من أصل زنجي إلى رئاسة ذلك المجتمع في بدايات القرن الواحد والعشرين
فإن هذا يعني سر قوة وإنسانية المجتمعات التي تنحاز للضمير على العنصرية ، وللوعي على الغريزة كما فعل المجتمع الأمريكي اليوم .

ربما لا يعرف أغلب مثقفينا العرب اليوم أن سودانيي شمال السودان هم أكبر دليل على أن العرب المسلمين في مرحلة من مراحل تاريخهم كانوا بعيدين عن العنصرية فعرب شمال السودان هم تماما كعرب الشام ومصر والمغرب والعراق من حيث الهجنة التي وقعت للعرب مع شعوب تلك البلاد التي رحلوا إليها ، فقط كان الزنج هم الشعب الأسود الذي اختلط به عرب شمال السودان ، فيما كانت الشعوب الأخرى في الشام والعراق ومصر والمغرب شعوبا بيضاء ، وهذا ما يفسر لنا على الأقل : أن يتكلم عرب شمال السودان بلغة عربية في أقاصي بلادهم النائية عن المراكز الحضرية ، فيما يعجز الأتراك التحدث بالعربية رغم 400 سنة من الخلافة الإسلامية في بلادهم
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [13]  
قديم 02-28-2013, 01:15 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

وهنا رد صاحب المقال وتوضيح اللبس الذي حصل للمعلق الأول:
الرد على التعليق
-
9 شباط (فبراير) 2009 11:24
عزيزي محمدجميل أحمد :تحية لك أنا في مقالي قلت أن
تأويلنا نحن للقرآن يتخذ دلالة عنصرية , أي أننا نستخدم القرآن لتبرير عتصريتنا .


النصوص التراثية والدينية التي وضعها البشر في كثير منها تمتلأ بمقولات عنصرية قبيحة وتنسب ذلك (ولو بشكل غير مباشر) إلى النص القرآني .

هل تعلم أن هناك فرق إسلامية تقول أن الإنسان الأسود هو مذنب لذلك خلقه الله أسود , وهكذا دوليك إذن هنا يشكل النص القرآني متكأ لهم يبرورون باسمه عنصريتهم .

مالعمل ؟
العودة إلى قراءة هذا التراث الديني والتاريخي وتصفية كل الدلالات العنصرية
الأمر الذي يعني إعادة قراءة ونقد تاريخ الدين في العالم العربي وتاريخ الفقهاء وكتاباتهم التي يجعلها الكثير من المسلمين في موازاة النصوص المقدسة بالنسبة لهم

هذا رأيي وهو ليس فجا أو استسهالا كما قلت في بداية ردك عزيزي .
بل رأي مبني على وقائع أراها يوميا كثر هم الذين يقولون لي عندما يرون رجل زنجي :
(شو أنت أعلم من الله يلي مسخو هيك)
اقرأ هذا النص وفككه ترى أن هذه الثقافة تقحم الله في تبرير عنصريتها .

ومن هو لله عند المواطن العادي هو القرآن ؟ وماذا يوجد في القرآن ؟
يوجد آية مثل الآية التي ذكرتهافي مقالي ؟
أنا أعلم أن الله والإسلام ليس عنصريا , ولكن مايجري باسمه هو كذلك شئنا أم أبينا

سيدي العزيز
ولهذا نحن ندافع عن إسلام عقلاني مستنير تختفي منه كل دلالات العنصرية .

نحن مع ذلك الإسلام الإصلاحي المتسامح الذي اتهمتنا بأننا لا نراه ولاننظر للجانب المضيء . بالعكس ياسيدي كل انتقادنا لذلك للمسلمين المتطرفين
لأننا نرى أنهم يشوهون وجه الاسلام الحضاري المنفتح .مودتي محمد ديبو
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [14]  
قديم 02-28-2013, 01:30 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود 5 - هل نحن عنصريون وطائفيون ام لا؟
السبت 7 شباط (فبراير) 2009
بقلم: هاشم صالح





الايدولوجيا العربية السائدة تقول لك إنّ العنصرية هي حكر على الغرب وأنّ العرب والمسلمين لا علاقة لهم بها ولا يعرفونها. ونفس الشيء ينطبق على الطائفية وسوى ذلك من الأمراض الاجتماعية. فشعبنا طيب والحمد لله ولا يمكن أن يكون طائفيا أو عنصريا. معاذ الله! هذه آفات خاصة بالآخرين فقط ومستوردة من الخارج. بل زرعها الاستعمار فينا قبل أن يرحل. وكل من يتحدث عن وجود شوفينية عربية ضد الأقوام الأخرى أو طائفية إسلامية ضد الأديان الأخرى يتهم بأنه مازوشيّ مهووس بجلد الذات هذا إن لم يكن عميلا لأعداء الأمة ومتواطئا معهم. كيف يمكن لثقافة ما أن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام بهذه العقلية الديماغوجية؟ ومن يصدق هذه الخطابات الفارغة أو الخشبية للسلطات والمعارضات على حدّ سواء؟ وأين هو خطاب الحقيقة في كل ذلك؟ وحده الفكر النقديّ الاحتجاجيّ هو الذي يؤدي إلى حلحلة الأمور وتحريكها لا الفكر الامتثاليّ الراضي عن الذات باستمرار والذي يعلّق كلّ مشاكلنا على شمّاعة الآخرين.
كيلاَ أظلم أحدا أو أتحدّث في الفراغ التجريدي سوف أطبّق الأمور على نفسي وأتساءل: هل كانت في أعماقي بقايا عنصرية ضدّ السود؟ وأجيب مباشرة ودون أيّ تردّد: نعم. والدليل على ذلك هو أنني عندما وصلت إلى فرنسا ونزلت من الطائرة في مطار "لوبورجيه" فوجئت وأكاد أقول صعقت بأن بعض رجال البوليس كانوا سودا. كان هذا أوّل شيء رأيته في فرنسا ولفت انتباهي حقا.

وتعجّبت وقلت بيني وبين نفسي: هل في فرنسا سود؟
وهل الفرنسيّ الحضاريّ يمكن أن يكون أسود؟
وكيف يمكن للأسود أن يكون موظفا في الدولة ويتجرّأ على مساءلة الآخرين؟
وهل في رأسه عقل يا ترى؟
وهل يمكن أن يكون مثقفا أو حتى متعلما؟
ومن هو حتى يوقف الأبيض ويتحدّث معه حديث الندّ للندّ؟

هذه أوّل ذكرى لي عندما وصلت بلاد فيكتور هيغو بتاريخ 8. 10. 1976.
لكنّ مفاجأتي المذهلة لم تتوقّف عند هذا الحدّ. فعندما وصلت مدينة بيزانسون الجميلة القريبة من الحدود السويسرية لتعلّم اللغة وجدت أنّ المعلمة فتاة شقراء فاتنة فعلا. وكان ذلك من أكبر دواعي الانشراح والسرور لنا نحن مجموعة الطلبة العرب. فكنا نقضي معظم الوقت في الانبهار بحركاتها وتأمّل تضاريسها الشهية دون أن نفهم ماذا تقول. ودون أن ننزعج إطلاقا بسبب عدم الفهم. يكفينا أن نتمتّع بمرآها ونحن جالسون كالبلهاء في الصفّ. نقول ذلك خاصّة عندما كانت تلبس الميني جيب أو حتى البنطلون الضيّق الذي يكاد ينفجر انفجارا. في كلّ الأحوال كانت حالتنا يرثى لها.. ولكنّ الكارثة التي ما كنّا نتوقعها هو أننا عندما كنا نتمشّى صدفة في شوارع المدينة رأيناها وهي تعانق شابّا أسود! وقد تحدّثت عن ذلك في بعض نصوصي الغرامية "الانفلاشية" التي لم أتجرّأ على نشرها حتى الآن خوفا من الفضيحة. هنا أسقط في أيدينا تماما ورحنا نشتمها ونشتم هذا "الزنجيّ البشع" الذي حظي بما لا يمكن أن نحلم به حتى مجرّد حلم! لم نقم من هول الصدمة إلا بمشقّة، هذا إذا قمنا. كدنا ننتحر وقتها من شدّة الغيظ والحسد والكمد. أجلناها. معليش ، بلاها..
واكتشفت عندئذ أننا أكثر عنصرية من الشعب الفرنسي المتهم بالنزعة الاستعلائية العنصرية الاستعمارية الامبريالية الخ..

أنا أتحدّى أيّ فتاة عربية أن تمشي مجرد مشي مع هذا الشاب الأسود في الشارع هذا ناهيك عن أن تقبّله أو أن تظهر أنّه حبيبها..
أقول ذلك خاصّة أنّ المسكين لم يكن جميلا حتى داخل السود أنفسهم لأنّ هناك سودا جميلين أيضا وسودا أقلّ جمالا.
ولكن الفرنسية إذا أحبّت أحبّت وأعلنت ذلك على رؤوس الأشهاد دون أيّ رادع أو وازع.
ينبغي العلم بأنّ ذلك حصل بعد ثورة مايو 1968 التحرّرية الجنسية التي فتحت انغلاقات المجتمع الفرنسي على مصراعيها.

أمّا في عهد بودلير أي في منتصف القرن التاسع عشر فكانت الأمور معاكسة تماما. كانت تشبه ما هو سائد عندنا نحن العرب اليوم. كانت مليئة بالأحكام المسبقة ضدّ السود. ومعلوم أنّ عشيقة بودلير الأساسية كانت زنجية سوداء وتدعى جان دوفال أو حنة دوفال إذا شئتم تعريب الاسم. وقد صعق أمّه وكلّ عائلته البورجوازية بذلك، ورفضت أن تراها أو تستقبلها في البيت. وشعرت بالرعب والتقزّز. وراحوا يخافون من أن يعرف المجتمع أنّ عشيقة ابنهم زنجية لأن ذلك يشوّه سمعة العائلة ويخفض من قيمتها. أمّا هو فكان يتقصد معانقتها وسط الشارع تقصدا لكي يثير اشمئزاز البورجوازية الفرنسية ورعبها. وكان يستمتع بذلك إلى أقصى الحدود ويتلذذ به تلذذا. ومعلوم مدى احتقار بودلير للمقامات والوجاهات وكرهه للامتثالية الاجتماعية. واليها أهدى بعضا من أجمل قصائده ومن بينها قصيدة "البلكون" أو الشرفة الشهيرة.
لكن ليس كل الناس بودلير! ليس كل الناس مجانين أو شعراء ملعونين يعيشون خارج كل القيود الاجتماعية أو حتى ضدها وسابقين لعصرهم.
ما سرّ هذه الأحكام المسبقة ضدّ السود؟ لا أعرف بالضبط.
حتما لها تاريخ يعود إلى أقدم العصور.
كلّ ما أعرفه هو أنّي لم أر شخصا أسود في حياتي قبل مجيئي إلى فرنسا. هل لمحت أحدهم في جامعة دمشق من بين إخواننا السودانيين؟ ربما. لم أعد أتذكر ..

هناك قانون غير مكتوب يقول: الأبيض أبيض والأسود أسود واللون الأبيض لا يمكن إلا أن يكون أفضل من اللون الأسود.

أليس النهار أجمل من الليل؟ وإذن فالمسألة طبيعية، أبدية، سرمدية. ولا حيلة لنا في الأمر. ولا حول ولا قوة إلا بالله. (هذا ما يقوله العنصري في قرارة نفسه لأنه لم يعد يتجرأ على البوح به بعد صدور قانون يعاقب على العنصرية والطائفية في فرنسا وكل البلدان المتقدمة). ولكن أحد الكتاب السود المحترمين في فرنسا يقول هذه العبارة الجميلة: إذا كان الجلد أسود فإنّ الروح بيضاء. الروح لا لون لها أيها السادة. وروح الإنسان الأسود قد تكون طيّبة شفافة حنونة تماما مثل الأبيض أو أكثر. لم لا؟ فأرجوكم كفّوا عن محاكمتنا على أساس لون شعرنا أو بشرة وجوهنا.
والواقع أنّ كلامه صحيح. يكفي أن ننظر إلى وجه سيّدة أميركا الأولى الآن، ميشيل اوباما، لكي نتأكد من ذلك. يكفي أن نتمعن في ملامحها وجمالها الأسود ومعانيها الإنسانية وابتسامتها الخجولة نسبيا لكي نشعر بأنها سيدة راقية فعلا وأجمل من لورا بوش الشقراء الباهتة.

ولكن المشكلة هي أن الأحكام العنصرية عنيدة وراسخة ومتجذرة في النفوس.
وليس من السهل اقتلاعها تماما كالطائفية أو القبلية أو العشائرية وربما أكثر لأنها بادية للعيان.
ولهذا السبب ينبغي على الثقافة أن تتدخل للحد من مخاطرها.

وهنا نلاحظ فرقا شاسعا بين الثقافة العربية والثقافة الأوروبية.
فالأولى لم تقم حتى الآن بالنقد الراديكالي للأفكار العنصرية أو الطائفية المتفشية فيها كما حصل في أوروبا بدءا من عصر التنوير وحتى اليوم.
لم تقم بعد بالتكنيس أمام بيتها كما يقال عادة.
كل ثقافتنا الماضية والحالية مليئة بالأحكام المسبقة من عنصرية وطائفية دون ان يتجرأ احد على مساءلتها بشكل جدّي.
بل إنها تبدو بدهية طبيعية منبثة في الهواء وكأنها تحصيل حاصل ولا تثير أي استغراب أو استهجان.

ولو طبّق القانون الفرنسي أو الأوروبي الحضاري على ثقافتنا وإعلامنا وفضائياتنا وبرامج تعليمنا لساقوا إلى المحكمة يوميا عشرات المذيعين والصحفيين
بل وحتى المثقفين والأساتذة الجامعيين والمفكّرين المعروفين.
فنحن نتلفظ أحيانا بالأحكام العنصرية والطائفية حتى دون أن نشعر.
والسبب بسيط: هو أن الثقافة العربية الإسلامية لم تتعرض بعد لغربلة نقدية صارمةعلى عكس الثقافة الأوروبية.


يتبع
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [15]  
قديم 02-28-2013, 01:31 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

لم يتركوا في المسيحية شاردة أو واردة إلا ناقشوها وفكّكوها منذ قرنين وحتى اليوم.
من يتجرأ على أن يقوم بذلك بالنسبة للإسلام؟

ظللنا عشرين سنة ونحن لا نتجرأ على نشر كتاب مترجم بعنوان: نقد العقل الإسلامي! معاذ الله، ولو؟ هل يمكن للعقل الإلهي أن ينقد؟ أنت مجنون. ويحك ماذا دهاك؟ أنت تعرّض نفسك للمجزرة، للخطر الأعظم.. هذا في حين أن نقد العقل المسيحي أو الأصولية المسيحية أو التعصب الأعمى المسيحي أصبح تحصيل حاصل في كل أنحاء أوروبا الغربية منذ عشرات السنين. بل إن الناس ملّوا منه.

محمد عابد الجابري أنقذ نفسه عندما تحايل على الموضوع وتحدّث عن نقد العقل العربي.
ولكننا نعلم أنه لا معنى لنقد العقل العربي إن لم نقم بنقد العقل اللاهوتي الديني الذي يسيطر عليه إلى حدّ كبير..

نفس الشيء فيما يخص العنصرية.
هناك عشرات أو مئات الكتب في فرنسا تتحدث عن كيفية ظهور العنصرية الفرنسية ومتى تشكلت كتيار إيديولوجي سياسي في القرن التاسع عشر وما هي أطروحاتها الأساسية وكيف يمكن تفنيدها الخ..
لقد فوجئت عندما قويت ظاهرة جان ماري لوبن في فرنسا أواسط الثمانينات من القرن المنصرم. ماذا كان موقف المثقفين الفرنسيين؟ معاكسا تماما لموقف المثقفين السوريين أو العرب عموما من ظاهرة الطائفية التي قويت في نفس الفترة تقريبا بسبب ازدهار التيارات الخمينية والإخوانية. لم يقل المثقفون الفرنسيون هذا الخطاب الأبله الغبيّ الذي لا يعني شيئا: شعبنا طيب رائع لا يمكن أن يعرف العنصرية، هذه أشياء مستوردة من الخارج أو مختلقة وهدفها تشويه الأمّة الفرنسية العظيمة! لا، أبدا. قالوا إنّ العنصرية ظاهرة حقيقية تشمل شرائح معينة من السكان ولها أسباب شتّى من فكرية وسياسية واجتماعية ونفسانية الخ. بل وتضرب بجذورها في أعماق التاريخ. وينبغي تشريحها وتحليلها ومواجهة اليمين المتطرف الذي يغذيها مواجهة صارمة لا هوادة فيها. هذا هو موقف معظم المثقفين الفرنسيين ما عدا بالطبع جماعة اليمين المتطرف والفاشي. بعض التقدميين الهشين سقطوا في الحبائل ولكنهم كانوا أقلية قليلة جدا. ثم احتدمت المعركة بين الطرفين على رؤوس الأشهاد حتى توضّحت الإشكالية من كافّة جوانبها وحتى حجّمت العنصرية ضمن حدودها المعقولة واستطاعوا السيطرة عليها. هذا ما رأيته أمام عيني، عشته شخصيا. ورأيت مذهولا ومعجبا كيف يمكن للفكر الإنساني المستنير أن يخوض المعركة مع الفكر الشوفيني الفاشي الذي يضرب على وتر الغرائز الشعبوية الضيقة ويتحول إلى وحش إيديولوجي كاسر يجيش الملايين. وأتذكّر أني في تلك الفترة كنت مع صديقة فرنسية تدعى ناتالي وكان والدها ومحيطها عموما قريبا فعلا من هذا التيار. بل كان أحدهم يرفض مصافحتي ويخرج من البيت قبيل وصولي بقليل. وكانت ناتالي تنزعج منه جدا وحصلت صدامات بينها وبينه إلى درجة أني اضطررت إلى تهدئتها قائلا بأنّ رفضه السلام عليّ لا يزعجني على الإطلاق. المهم ألا يضربني! أو يشتمني مباشرة. وقلت لها: هذا شيء أقوى منه لأنه لا يستطيع أن يفعل غير ذلك. ورحت اشرح لها نفسية الإنسان المتعصّب وكيف أنه مجبر على أن يفعل ما يفعله. فالعربي بالنسبة له شخص همجي يريد شرا بفرنسا منذ أيام شارل مارتل ومعركة بواتييه عام 732 ميلادية! والعرب وبخاصة المغاربة سوف يغزون فرنسا كما يقول لوبن ويهول ويثرثر لكي يكسب المزيد من الأصوات في الانتخابات الخ.. باختصار أصبحتُ مضطرا للدفاع عنه كيلا تحصل أيّ مشكلة في البيت بسببي. أقول ذلك رغم أنّ عداء الرجل كان حضاريا إذا جاز التعبير. بمعنى انه كان يكتفي بالانسحاب من الجلسة قبل وصولي كيلا يضطر إلى مصافحتي. هذا كل ما في الأمر. ولكن الأمور أصبحت حرجة في بعض اللحظات مع هذا التيار إلى درجة أننا عندما كنا في السيارة في مدينة فونتنبلو وصور لوبن تحيط بنا من كل الجهات ورأى والدها أنّ وجهي قد تغيّر فجأة بعد أن أصبحنا في عرين اليمين الحقيقي ربت على كتفي قائلا: لا تخف مسيو هاشم، لا تخف..
ولكن ماذا كان موقف المثقفين العرب في نفس الفترة تجاه انتعاش الحركات الإخوانية والخمينية والأصولية عموما؟ العكس تماما.
راحوا يركبون الموجة ويفتخرون بأنهم انضموا إلى الشعب!
ليفهم كلامي جيدا هنا: هذا ليس دفاعا عن الأنظمة البوليسية البائسة والمهترئة التي لا همّ لها إلا مراقبة الناس وإحصاء الأنفاس عليهم، بل وسجنهم حتى على مجرّد الخلاف في الرأي.. ولكن لا أحد يستطيع أن يقنعني بأنّ المثقف المؤمن بحركة التطور والتقدم وفلسفة الحداثة والتنوير يمكن أن ينصاع بمثل هذه السهولة لتنظيمات إرهابية قائمة أساسا على فكرة التمييز الطائفي بين المواطنين. هذا شيء لا يركب في عقلي. هل تعتقدون بأنّ بعضهم في فرنسا لم يكن حساسا لأطروحات اليمين المتطرف التي تضرب على وتر العظمة الامبراطورية والأمجاد الفرنسية؟ كان لوبن، وهو خطيب مصقع، يهزّهم هزّا عندما يضرب على هذا الوتر الحساس. ولكنهم قاوموا هذه النزعة العصبية في أعماق نفوسهم ولم يستسلموا لها. وأتذكر أنّ ليونيل جوسبان وهو من أحفاد فولتير وجان جوريس وكلّ الحركة التقدمية الفرنسية نزل له إلى الساحة في مناظرة فكرية وسياسية رائعة. وكان لوبن وقتها في أوجه ويخيف كل قادة فرنسا ويهزمهم على شاشات التلفزيون.

هنا يكمن المحك الأساسيّ الذي ينبغي أن يحاكم على أساسه أيّ مثقف:
هل هو قادر على مواجهة عصبياته الدفينة إذا حزّت الحزة أم لا؟

كلنا نحمل في أعماقنا بعضا من هذه العصبيات الطائفية والمذهبية. ولكنّ الفرق بين المثقف ورجل الشارع الطيب العادي هو أن المثقف يستطيع أن يشتغل على نفسه، أن يراقب ردود فعله، أن يحلّل الوضع من كلّ جوانبه، باختصار شديد يستطيع ألا يستسلم بسهولة لعصبياته الدفينة. وإلا فإنه يبطل أن يكون مثقفا. في بعض تعبيراتي المتطرفة نسبيا قلت إنّ أوّل صفة للمثقف هي: أنّه شخص منشقّ على ذاته! انه يحاسب نفسه قبل أن يحاسب الآخرين. إنه يراقب نفسه. وهنا دائما أعتمد على نص لرينيه ديكارت يقول فيه ما معناه: قرّرت مراجعة كلّ أفكاري السابقة بل وحتى تدميرها! يقصد الأفكار التي تلقّاها من البيت والطفولة والمدرسة عندما كان صغيرا لا يستطيع أن يميّز بين الصحّ والخطأ، بين الحقّ والباطل. ولكن بعد أن كبر واهتدى إلى طريق الحقيقة دخل في صراع ضار مع نفسه وقرر تدمير كل المسلمات المسبقة والرواسب المترسخة في أعماق أعماقه. وهي عملية صعبة جدا وتؤدي إلى نزيف داخليّ حادّ لأنك عندئذ تصطدم بأعزّ ما لديك، بما علمك إيّاه بيتك أو بيئتك وأنت لا تزال طفلا صغيرا بعمر الورد. من منا لم يسمع بهذه الأحكام الطائفية والعنصرية المسبقة تجاه الآخرين؟ من منّا لم يتشربها، ولم يتشبّع بها؟ نحن وحدنا على حقّ والآخرون كلّ الآخرين على ضلال. نحن وحدنا الفرقة الناجية التي اصطفاها الله! نحن وحدنا شعب الله المختار، أو خير أمّة أخرجت للناس..

نعم كنّا خير أمّة أخرجت للناس في فترة من الفترات، لا أنكر ذلك.
ولكن هل لا نزال كذلك؟ أليست أميركا هي الآن "أفضل أمة" بعد أن انتخبت أوباما الأسود ووضعته على قمة عرشها؟
ألم تنتصر على نفسها وعصبياتها الدفينة وعنصريتها التي تربت عليها أجيالا وأجيالا؟
ألم تعطنا درسا لا ينسى؟

ومعلوم أنّ العلم في الصغر كالنقش في الحجر يصعب محوه أو التخلّص منه لاحقا.
ولكنّ رينيه ديكارت خاض المعركة مع هذا العلم الراسخ أو الرواسب المتكدسة في أعماق ذاته وخرج منها منتصرا. وأصلا لولا ذلك لما أصبح رينيه ديكارت ولما نجح في تحقيق الانقلاب الكبير على ثقافة عصره المتحنطة المتكلسة ولما قلب الفلسفة السكولائية ودشّن الفلسفة الحديثة. ولهذا السبب قال عنه هيغل عبارته الجميلة:
إنه البطل المقدام للفكر.

إذ أقول هذا لا يعني أنّي أتغاضى عن مساوئ السياسة الأميركية في منطقتنا وبالنسبة لقضيتنا ولكني أنظر إلى الصورة من كلّ الجوانب لا من جانب واحد فقط.
انسوا مشكلتنا ولو للحظة..
وأخيرا يخيّل إليّ أننا بحاجة اليوم إلى شخصيات من نوعية ديكارت وسبينوزا وفولتير وسواهم من أجل تفكيك وتعرية كلّ الأفكار العنصرية والطائفية المتجذرة في أعماق ثقافتنا ونفوسنا.
لماذا حاول المتعصبون اليهود قتل سبينوزا؟ لأنّه خرج على الطائفة قبل أن يخرج على كل الطوائف.
لأنه حاول تعرية الأسس العميقة للدين اليهودي الذي تربّى عليه وتشرّبه طيلة مرحلة الطفولة والشباب الأوّل.
وبالتالي فقد أعلن العصيان على ذاته وخاض المعركة مع نفسه قبل أن يخوضها مع الآخرين. هنا تكمن عظمة سبينوزا.
ولو انه استسلم لعصبيته الطائفية واكتفى بإدانة طائفية الأغلبية المسيحية المحيطة به لما بقي منه شيء يذكر.
ولكن المعركة مع الذات هي من أشقّ المعارك وأقساها على النفس.
لهذا السبب يوجد كتّاب عديدون في كلّ عصر أو جيل.
بل ويوجد بحّاثة أكاديميون وأساتذة جامعات عديدون ومحترمون.
ولكن لا يوجد إلا عدد نادر من الفلاسفة الكبار الذين غيّروا مجرى التاريخ.
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [16]  
قديم 02-28-2013, 01:40 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود(6) - "الشوشانة" : سوداء في النهار حمراء في الليل..
الاحد 8 شباط (فبراير) 2009
بقلم: عبد الواحد المكني






"شوشانة ماني سيدك واليوم يا شوشانة حكمي فيدك
يا شوشانة وآش خبّرْتْ لِلاّك عالملقانا "
بهذا المقطع "الفوندو" تغنّى ناظم "المالوف" بخادمته الزنجية فهي مملوكة له ولكن حكمه صار بيدها جرّاء الليالي الملاح والسرية التي قضياها معا يختلسان اللذة وهو يخشى أن تخبر سيّدتها ( زوجته) وتفشي سرّ تلك الخلوات الغرامية.
يختزل هذا المقطع حيّزا مخفيّا من تاريخ " السود" ومن وضعية "الزنوج" ذوي الأصل الإفريقاني في المجتمع المغاربي الحديث، تلك الأقلّية التي عانت مظاهر الاستغلال والعنصرية رغم صدور التشريعات الزّاجرة في منتصف القرن التاسع عشر والتي منعت ملكية العبيد والمتاجرة بهم ثم أقرّت صراحة عتقهم غير أنّ التشريعات و" النوايا الحسنة " لم تكن في تناسق مع العادة والمألوف السائر الذي ترسّخ في السلوكات والثقافات الجماعية وتحوّل إلى ممارسة عادية متناقضة مع المبادرات الفردية الرحيمة (دينية كانت أم إنسانوية) والتشريعات القانونية ( طوعية كانت أم مفروضة) ومع قناعات الحرية والمساواة التي روّجت لها نخب الإصلاح عهد ذاك لكنها لم تنجح في تطبيقها واقعا .


لنعد إلى الشوشانة (مذكّرها الشوشان) وهي صفة تطلق على الخادمة الزنجية، والمعتوقة السوداء في بلاد المغارب في العصر الحديث، ونعت يخُلع على المحظيّات الزنجيات بعد عتقهن والإبقاء عليهنّ كخادمات للمنازل وتسمية "الشواشين" مسترسلة إلى اليوم في بعض أماكن الجنوب التونسي والجزائري، تشهد على ذاك الماضي الحزين والمعتم، وبقدر ما اشتهر الشوشان بخدمة السيدة و قيادة هودجها :
( يا سعد يا شوشان سوق وربّص سايس جمل للاّك حتى تلبس)
اشتهرت الشوشانة بالبراعة في العمل المنزليّ وخاصة خدمة غرفة الحريم وشؤونها من تطبيب وتدليك وتجميل، وقد كانت الشوشانة تكدّ وتجدّ في النهار، أمّا في الليل فقد كانت رهن إشارة سيدها، طوعا لرغباته.

وقد شبّهها المثل الشعبيّ في المغارب بالدوابّ: " في النهار دابّة وفي الليل شابّة ".


تلك صورة عابرة، لكنها معبّرة، عن وضع الخليلة السوداء داخل الحرم المنزلي في المجتمع المغاربي خلال العصر الحديث،

وهي تستدعي وقفة تاريخية أنتروبولوجية حتى نرى ونتكشّف جدران اليوم المتوارية من خلال حيطان الأمس التي خال البعض أنها غبرت وزالت، لكنها ما زالت.

الطريق إلى الحرم :

تكشف الدراسات المستقصية والبحوث الميدانية، كما الوثائق التاريخية، عدّة جوانب مخفيّة من ممارسات الإقصاء الراسخة، والعنصرية المترسّبة، ضدّ السود ببلاد المغرب. ويتجلّى ذلك في مختلف مظاهر الحياة اليومية والمعاملات، واختيار الاسم، ومظاهر الأفراح والأحزان التي ميّزت حياة تلك الجماعات في بلاد المغارب ( انظر لائحة المراجع التوجيهية في آخر المقال)، غير أننا تخيّرنا التركيز على تاريخ المرأة الزنجية في المجتمع المغاربي، وعلى طور مخصوص ومخفيّ من مسيرة حياتها، يبدأ مع مغيب الشمس وينتهي بطلوعها .
تبدأ رحلة " الشوشانة " مع حياة الحرم بالولادة، فترث عن والدتها حرفة الخدمة والطاعة في بيت السيد المالك أو العاتق، ويمكن أن تبدأ الرحلة عبر التجارة، فتُشترَى الجارية أصيلة جناوة أو بورنو أو تمبكتو أو ودّاي … من سوق النخاسة ( سوق البركة، سوق العبيد) بعد الرؤية والتقليب مع استحسان بهاء مظهرها، وجمال قوامها، وعطارة رائحتها، وتورّم ردفيها…
ويمكن أن تلتحق الشوشانة بالحرم في إطار هدية مهر العروسة أو شوارها ( جهازها)
و تذكر بعض عقود زواج الأعيان والأثرياء أنّ الأب أو الزوج يهادي الزوجة بـ" أمة من وسط وخش رقيق السودان وأعدلهن في القوام، وأبيضهن في الأسنان.
تقوم الأسرة المالكة للشوشانة باختيار اسمها، أو تغييره حسب مزاجها، وهو عادة: "مبروكة، مباركة، مسعودة، مرجانة، الخضرة، سجرة أو زهرة…" وهي أسماء تطلق للتبرك والتطيّر وطرد النحس ومناشدة الخصب، وهي تذكرنا بمنظومة الاسماء التقليدية التي تحاول تلطيف صورة المسمّى، فتطلق مجازا النعوت المعاكسة، فتصيّر الملح " ربحا" والفحم الأسود " بياضا"…
بعد الاسم تأتي مرحلة " العلام "وترسيخ بيداغوجيا "الامتثال الأعمى"، بتنشئة الشوشانة على الطاعة والكتمان لأنّ مجتمع الحرم يقوم على الصمت والصبر، وخاصة النسيان.
نساء للجنس والعشق… وأخريات للزواج



يروج الاعتقاد بأنّ " الأمة الزنجية " توفّر حرارة ومتعة إضافية عند الجماع :


"اعلم أيها الوزير يرحمك الله أنّ النساء علي أصناف شتّى فمنهنّ محمود ومنهنّ مذموم…

فمن أراد ضيق الفرج وسخانته فعليه ببنات السودان وليس الخبر كالعيان… "

هكذا نصح الشيخ النفزاوي وزيره ومخدومه،

وعلى منواله سار صاحب الحرم الذي يختار خليلة "سوداء "إلى جانب الزوجات الرسميات "الشريفات" والجواري البيض العلجيات.

ويروج في المخيال العامّ لذلك العصر الاعتقاد بأنّ مضاجعة " الشوشانة" يمكّن من معالجة عدّة أمراض تناسلية،

فيباح عندئذ تسلّق جدران الفصل العنصري، ويتحول " الجنس الملوّن بالأسود " إلى وصفة طبية استشفائية،

إلى جانب ما توفره العملية من لذّة التكشّف، وتنويع مصادر الشبق وألوانه.


يتبع
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [17]  
قديم 02-28-2013, 01:41 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

تمنح " الخادمة الشوشانة " سيّدها كلّ ما يريد من سعادة عابرة ودائمة، فتُشبع نهمه الجنسيّ وتطيعه في تطبيق كلّ الوصفات والوضعيات الإيروتيكية التي لا تسمح بها الشريفة ذات الوقار الموزون والحركات المحسوبة.
تشتكي بعض" الحرائر " من امتناع الزوج عنها وتخصيص كامل لياليه "للشوشانة"، هكذا تهتك وثائق القضاء الشرعيّ سُتُر " الحرم "، لكنّ مثل تلك الإشارات الفاضحة تظلّ عابرة ونادرة وتتركنا على ظمأ، ورغم ذلك فنحن على شبه يقين من إلغاء الميز العنصري الجنسي في الليالي السود لقصور وبيوتات المغارب في العصر الحديث.


تتخيّر بعض أسر الذوات إقامة التدريب الجنسيّ لشبان العائلة في بيت " الشوشانة" التي تتكفل بالطاعة والكتمان، وتقوم بواجبات "التربص القضيبي " لسيّدها الصغير.


وترشدنا الوثائق، كما المصنّفات وكتب النوازل، عن رواج تجارب منع الحمل أو إسقاط الجنين عند زنجيات أثرياء فاس وغيرها من حواضر المغارب. من ذلك استعمال ريش النعام للتخلّص من الحمل أو استعمال شبه عازل قماشي عند مضاجعة الشوشانة التي تظلّ "وقفا" مخصّصا للذة فقط، لا للإنجاب والاستخلاف.


وعلى عكس أبناء الجواري العلجيات الذين يفوز بعضهم بحقّ البنوّة ومنهم من يتقلّد حتّى " الإمارة والبايوية " و"الحجابة والوزارة"

فإنّ أبناء الجواري الزنجيات لا يُعترف ببنوّتهم

والمحظوظ منهم يحمل لقب عائلة السيّد دون حقّ الإرث أو الانتساب النافع، فيعيش تحت مظلة النعوت التمييزية:" الشوشان والوصيف أو باك الزمباك".



وتتكفّل تنظيمات المجتمع التقليديّ بترسيخ ثقافة القهر واستيعاب شعور الاغتراب عند ذلك "الإنسان المهدور "، ويتكرّم المثل الشعبيّ عليه بحِكِمه الطافحة استنقاصا وتقزيما :
"صحبتك في ثلاثة عار : وصيف ومخازني وجزّار"

في عنصرية الحبّ والزواج والأبوة
شُبّهَتْ المحظيّة السوداء بالملبوس والمأكول وسائر الأشياء المملوكة، يفعل بها صاحبها ما يريد وأنّى يشاء، وكيفما أراد، وحتّى الوطء من الخلف المحرّم شرعا فهو لا يشمل عند بعض الفقهاء هؤلاء " المملوكات".




يسألها قاضي القرن التاسع عشر: هل أنت بكر وهل أنت متزوجة؟


تجيب : لا هذا ولا ذاك، لا بكر ولا متزوجة. وهي أيضا أم ّ"شواشين المستقبل"،

يسألها أيضا عن صاحب الفعلة فتصمت وتبكي،

يقفل القاضي الأمين دفتره محوقلا

فهو لا " يريد "ولا يستطيع أخذ "الأبرياء" بالظنّ فقط .


يُسأل " الشوشان " عن اسمه فيجيب :
"- اليوم اسمي مبارك
- ولماذا اليوم فقط ألم تولد بعد؟
- أنا مولود فعلا واسمي في السنة الفارطة سالم أمّا في السنة المقبلة فلا أدري
- وما اسم والدك ؟
- لا أملكه
-الاسم أم الوالد
- يجيب "الزنجي" : الإثنان."




تلك بعض الصور عن مجتمع الأمس وجدرانه الفاصلة بين " العناصر والألوان والأجناس"
والمظنون أنّ تلك الممارسات زالت أصولها وجفّت ينابيعها، لكنّ تداعياتها ظلّت مسترسلة نشاهدها - إن أردنا التأمّل- أمام مداخل المطاعم الفاخرة، وفي أروقة النزل والكباريهات الفخمة .

إرشادات بيبليوغرافية للاستزادة:



- التميمي ( عبد الجليل)، دراسات في التاريخ العربي الإفريقي، سيرمدي، زغوان- تونس 1994.
- الجويلي ( محمد الهادي ) ،مجتمعات للذاكرة، مجتمعات للنسيان : دراسة مونوغرافية لأقلية سوداء بالجنوب التونسي، دار سراس- تونس 2001.
Valensi ( L.)، « Esclaves chrétiens et esclaves noirs à Tunis au 18 ème siècle »، Annales E.S.C، n°6،1967،pp1267-1288.
Ennaji ( M.)، Soldats، domestiques et concubines : l’esclavage au Maroc au 19 ème siècle.Cérès،1994.
Largueche ( A.), Les ombres de la ville : Pauvres ,marginaux et minoritaires à Tunis 18 ème et 19 ème siècle.CPU , Tunis,1999
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [18]  
قديم 02-28-2013, 01:46 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

الجدران اللامرئية: العنصرية ضدّ السّود(7) - لا التوراة ولا القرآن أدانا الرقّ - غيوم هرفيو Gillaume Hervieux
الثلثاء 10 شباط (فبراير) 2009
بقلم: الأوان





تمهيد:
لقد كانت العبوديّة واحدة من الركائز الاقتصادية في المجتمعات اليهودية والمسيحية والإسلامية. هذا ما تقوله بالضبط النصوص المقدّسة عن هذا الموضوع، بعيدا كلّ البعد عمّا يمكن للمرء أن يتصوّره، فلنعد إلى المنابع.

"كي نكافح ضدّ الأحكام المسبقة التي تُعيق الحوار بين الشعوب، يبدو لي ضروريّا أن ندرس مسألة العبودية، وعلاقتها بالنصوص المقدّسة، طالما ظلّت هذه المسألة من المواضيع الشِّقاقيّة".

في النسخ المكتوبة باللغات الأصلية نجد أكثر من ثمانمائة إحالة إلى العبودية في العهد القديم، كما نجد أكثر من مائتين في العهد الجديد، وتسعا وعشرين في القرآن. فما الذي تقوله هذه النصوص؟
هل يطالب مؤلّفوها بإلغاء العبودية، أو أنهم على عكس ذلك يبرّرونها، خاصّة إذا ما تعلّقت بالسّود؟
هذا الموضوع يكاد يكون "تابو"، ويسهم الجهلُ بالتاريخ في صراع الذاكرات بين الشعوب،
ففي القارة الإفريقية نرى الدّعاة المسلمين والمسيحيين الإنجيليين، يتواجهون من أجل أن يكسبوا إلى صفوفهم، مؤمنين جددا.
ويكدّ الطرفان، قدر ما يستطيعان، في سبيل إقناع الأفارقة بأنّهم كانوا ضحايا الطرف المقابل،
وأنّ الدّين الذي يقدّمه هو، سيكون خلاصا لهم من العبودية.


أمّا الكنيسة الكاثوليكيةـ والفضل يعود جزئيّا إلى مؤرّخي التجارة الثلاثية العابرة للأطلنطيّ ـ فقد انتهت إلى الاعتراف بنصيبها من المسؤولية [في استعباد السود]. إذ صرّح البابا جون بول الثاني لأوّل مرّة سنة 1991 في جزيرة Gorée [بالسينيغال: نقطة "شحن" العبيد السود إلى العالم الجديد ـ المترجم] "بأنّه استغفر عن الخطايا التي اقترفتها أوروبا المسيحية في حقّ إفريقيا" وفي المقابل، فإنّ إعادة نظر مماثلة تظلّ أمرا أكثر حساسية في العالم الإسلاميّ.
ففي العالم الإسلاميّ تسود رواية ميثولوجيّة عن حضارة إسلامية حوربت فيها العبودية أو كانت فيها ألطف ممّا كانت عليه في حضارات أخرى. وتوجد [حول موضوع العبودية في العالم الإسلامي] مادّة وثائقية بلا حصر، غير أنها لم تُستغلَّ بعد. ولكنّ الصمت يأتي أيضا من البلدان الإفريقية، فلأسبابٍ تتّصل بحروب التحرّر الوطنيّ، وأسبابٍ أخرى تتّصل بالعلاقات مع العالم الإسلاميّ، فهي تفضّل ألاّ توقظ تاريخا مثيرا للآلام.
ولقد أظهرت الحوارات الحديثة عُسْر الاعتراف بوجود تجارات ـ في صيغة الجمع ـ للعبيد السّود، فكيف يتسنّى، في مثل هذا السياق، تفسير النصوص التوراتية والقرآنية دون السقوط في بروباغوندا مانويّة أو رومنطيقية؟
لقد اختُبِرَ المنهج آنفا: فيكفي أن نميّز تمييزا جليّا بين النصوص وترجماتها المختلفة، وتأويلاتها واستعمالاتها، كي يستبين لنا الحدّ بين النصّ المكتوب والفعل المنجَز من قِبَلِ الإنسان.
شعب إسرائيل قَبِل العبوديّة لكنّه لطّف تطبيقها
لقد قبل شعب إسرائيل وجود العبودية لكنه لطّف تطبيقها بالمقارنة مع الشعوب المحيطة به. وهناك حدثان قد طبعا هذا التصوّر: تحريرُ الشعب العبريّ من القبضة المصرية، ثمّ من الأسر البابليّ. هذه الذكرى وتلك حملتا العبرانيين على ألاّ يعامل بعضهم البعض ولا الأجانب أيضا، باعتبارهم عبيدا مدى الحياة. وعندما كان الشعب ينسى ذلك، كان أنبياء، مثل عاموس، يذكّرون الأغنياء أنّه لا اكتمال لشيء ما لم يكن عطيّة من الربّ، وأنّ ما يسبّبونه من آلام للأطفال إنّما يسبّبونه إلى الربّ. وقد كانت الجماعة اليهودية المسمّاة "الأسانيين"esséniens les [مجموعة يهودية قديمة من جماعات قمران ظهرت قبل المسيحية بحوالي قرن ونصف تقريبا، وبقيت إلى ما قبل دمار الهيكل حوالي سنة 70 م ـ المترجم] أولى المجموعات التي أدانت العبودية وتخلّت عن ممارستها، ويستعرض تلمود بابل حجاجا قانونيا يحثّ على إنفاق المال العموميّ لاشتراء الأسرى. وفيما بعد تمّ تطوير هذا الحِجاج من قبل المسيحيين فالمسلمين، فصارت هذه الممارسة (اشتراء الأسرى) تعتمد نفس هذا المنطق: لا ينبغي التخلّي عمّن يشاركنا الدّين بين أيدي شعبٍ من الكفّار. وهذا المبدأ موجودٌ في القرآن، وفي الفقه الإسلامي: إنه يندرج ضمن الصّدقة. وفي المقابل فإنّنا لا نجد ذلك مكتوبا في العهد الجديد، لكنّه لقي كلّ تشجيع من أمبرواز دي ميلان Ambroise de Milan[أحد مؤسّسي الكنيسة اللاتينية، وهو كاتب وقدّيس عاش بين 340 و392 م ـ المترجم]، ثم تلقّفه الإمبراطور جوستينيان، ثمّ التريناتيون TRINITAIRESوالمرسيديونMercédaires ، وهما جماعتان مسيحيتان كرّستا كل جهودهما من أجل اشتراء الأسرى من المسلمين.
هل تمّ تبرير العبودية باسم الدين؟ لقد تمّ في المسيحية، كما هو الشأن في الإسلام، تحوير المنطق العتيق antique الذي كان يؤسّس الفروق بين الإنسان الحرّ والعبد. فلم تعُد الحرية شيئا متّصلا بالثراء، ولا بالنّبل أو اللون أو الأصل أو المواطنة، بل بالانخراط في عقيدة معيّنة. وإذا صار الأخ في الدين محميّا، نظريّا، فإنّ الكافر قد غدا "الهمجيّ" الجديد، أي ذاك الذي يمكن أن يقع تحت النّير. وهذا لا يخلو من تناقضٍ مع النّصوص التوراتية والقرآنية التي تضمن عالمية المبادئ الايتيقية الكبرى: إذ أنّ إنسانا، على صورة الله، هو الأصلُ المشتركُ لكلّ الكائنات الإنسانية. ولم يحدث إجماعٌ بين فقهاء المسلمين لتحديد ما إذا كان المسيحيون واليهود كفّارا، لكنّ المسألة حُسِمت في إطار الفقه الإسلاميّ الّذي، وبدافع من حماية الإسلام أرضا ورسالة، أقحم نظريّة "الجهاد" لتبرير استعباد أيّ عدوّ للإسلام، ولا تجد نظرية "الحرب المقدّسة" أيّ سند في العهد الجديد، لأنّ مملكة يسوع ليست من هذا العالم. فلقد رفض يسوع أيّ عنف ولو كان دفاعا عن حياته، ولو كان في سبيل التبشير بالإنجيل. ولكنّ هذه النظرية (أي الحرب المقدّسة) أقامها اللاهوتيون المسيحيون بغرض الردّ على هجمات البرابرة عندما تبنّت الإمبراطورية الرومانية المسيحية دينا للدولة: وهذه (النظرية) تسمح بتبرير استرقاق الكفّار. ولقد أقحم البابا غريغوار التاسع في القانون الكنسيّ (Le droit canon) عبر الأمر"rex pacix" في 1234 أربع حالات شرعية للاسترقاق.

يتبع
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [19]  
قديم 02-28-2013, 01:50 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

القرآن يحثّ المالك على احترام عبده
ترجمة التوراة والقرآن ليست عملا سليم العواقب، فالترجمة في حدّ ذاتها تأويل، وبالتالي فهي تأثير [في النصّ]، والشيطان يسكن في التفاصيل، وهكذا ظهرت نُسخٌ للعهد الجديد في لغات محلّية تحت تأثير ذوي النزعة الانسانية Les humanistes وأخرى تحت تأثير الإصلاحيين، وبفضل اختراع المطبعة. فنجد مثلا، أنّ اللفظ الإغريقيّ "doulous" يمكن ترجمته إلى اللغة الفرنسية إمّا بلفظ "عبد" أو بلفظ "خادم"، وهناك نسخٌ قد اختفت منها عبارة "عبد" أو تكاد، لفائدة عبارة "خادم"، كما نجد في نسخة "لوثر" أو نسخة الملك جايمس، أو نسخة لويس سيجوند، وهذا رغم أنّ vulgate [وهذا اسم الترجمة اللاتينية الرسمية للإنجيل التي تعتمدها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ـ المترجم ] قد ترجم عبارة Doulus في أغلب الحالات بعبارة Servus أي "العبد". ففي النصوص الإغريقية لذلك العهد كانت عبارة "دولوس" تعني دون تردّد معنى العبد. ومن الواضح إذن أنّ الإيديولوجية المسيحية، المتغلغلة في بعض المترجمين، هي التي قادتهم إلى التوقّف عن اعتبار الـ"دولوس" doulousعبدا ولكن باعتباره "خادما". فهل كانت تلك النوايا عفوية في زمن اشتداد العبودية؟
أمّا القرآن فقد أملاه (حسب الأسطورة) الملاك جبريل على محمّد: فلا تجوز ترجمته لأنّ العربية هي لغة الله، وانطلاقا من ذلك فإنّ النفاذ إلى فهم النصوص قد تأجّل عند كلّ الشعوب غير العربية، وفي الترجمات الفرنسية للقرآن لا يوجد إجماع عند المترجمين بخصوص ترجمة الآيات التسع والعشرين المتعلقة بالعبودية: هل يتعلق الأمر بخادم، أو بأسير، أو بعبْدٍ؟ وتبعا للاختيار (من قبل المترجم) يشهد معنى الآية تحويرا عميقا.
وأخيرا، فإنّ "بولس" في رسالته إلى كنيسة كورنثس يلحّ على المفهوم التالي: مادام الإنسان مهما يكن وضعه عبدا للخطيئة، فهو غير حرّ، بل إنّه عبد، فالحرية الاجتماعية والسياسية ثانوية قياسا إلى التملّك الذي تمارسه الرغبات والمخاوف على الإنسان، خاصّة منها الخوف من الموت، أما نهاية العبودية فإنّ "بولس" لا ينزّلها ضمن المطالبة بالإلغاء الفوريّ لها، بل ضمن المطالبة بتأسيس علاقات إنسانية جديدة، مؤسّسةٍ على الأخوّة، في الله، وعلى خدمة الآخر. والقرآن لا يشترط هو الآخر الإلغاء الفوريّ للرقّ، بل إنّه يقوم بتحضيض السيّد المؤمن على احترام العبد، خاصّة إذا كان العبد مؤمنا، ولا يحرّم القرآن امتلاك نساء تمّ أسرهنّ أو اشتراؤهن، لكنه يطالب المالك بأن يحصر اللذّة في إطار الزواج وعدم إجبار الأمَة إذا اختارت أن تبقى عفيفة. وفي حالات معيّنة يفرض القرآن على السيّد أن يحرّر عبدا: إمّا تكفيرا عن ذنبٍ اقترفه السيّد، أو لاشتراء أسرى، أو كي يتمكّن عبد صالح من الزواج، بل إنّ العبد قد صار ضمن اللذين لهم الحقّ ـجزئيا ـ في الإرث.
وأحاديث محمّد أشدّ رفقا في أحيان كثيرة لكنّ الفقه لا يجسّد مثل هذا التطوّر.

يمكن أن تكون صورة العبد مطبوعة بخاتم النُّبلِ، ولنا أن نقرنها بشهادات عن شهداء، وقدّيسين نشروا المسيحية في بلاد ما، بل حتى بعض من تقلّدوا منصب البابوية، وكانوا جميعهم قبل ذلك عبيدا. وعديدة هي أنظمة القساوسة التي كانت تمنح التقدير نفسه للإنسان حرّا كان أو عبدا، وكان هناك نبلاء رومانيون أعتقوا عبيدهم، وبالآلاف أحيانا. والقانونان التيودوسي théodosien والجوستيني justinien قد استلْهما من النصوص المسيحية ما سمح بتحسين وضع العبيد. وفي القرن السادس عشر رأينا ملوكا وبابواتٍ كانوا قلبا وقالبا ضدّ استعباد الهنود الحمر. وهذا الراهب الدومينيكانيّ مونتسنينوس Montesninos يخطب في المستوطنين الأسبان في عظة غدت شهيرة" كيف تجرؤون على أن تضعوهم في هذا الذلّ المهين؟ أليسوا بشرا؟ ألستم مطالَبين بأن تحبّوهم كما تحبّون أنفسكم؟"
وعلى العكس من ذلك تماما يمكن أن تُوظّف النصوص الدينية في تسويغ الأسوإ ، فقد كان الدّور الأوّل لأسطورة كنعان أن تخدم مصالح بني إسرائيل ضدّ العدوّ الذي يترصّد أرضهم وأخلاقياتهم، وبتطوّر هذه التجارة[أي تجارة العبيد] عابرة للصحراء ثمّ للأطلنطيّ، تمّ استعادة الأسطورة شيئا فشيئا كي تكون في خدمة منطق الأمير ومنطق التاجر، وكي تريح الضمير الأخلاقيّ عند كليهما. فكان الإيهام بأنّ أبا كنعان، "حام"، الأسود هو المُسخّرُ للعبوديّة. على أنّه من غير الممكن أن نعتبر تأويلا، يهوديا كان أو مسيحيا أو مسلما، كافيا لوحده كي يكون أصلا في تبرير استرقاق السود.
النصّ الأصليّ منشور بمجلّة " Historia" الفرنسية عدد 745 ـ جانفي 2009
وهو عدد خاصّ بعنوان " العبوديّة: ألفا عامٍ من الأكاذيب" Esclavage eux mille ans de mensonges
وعنوان المقال الذي ترجمناه:Ni la Bible ni le Coran ne condamnent l’esclavage.
والكاتب: غيوم هرفيو Gillaume Hervieux هو أستاذ التيولوجيا البروتستانية، خبير لدى المجلس الأوروبيّ في مسائل الحوار بين الأديان، وقد نشر كتابا بعنوان"التوراة والقرآن والعبوديّة" صدر بالفرنسية عام 2008.
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
  مشاركة رقم : [20]  
قديم 02-28-2013, 01:58 AM
الصورة الرمزية عباس البرناوي
عباس البرناوي غير متواجد حالياً
انْبلآجُ فِكرْ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 317
معدل تقييم المستوى: 13
عباس البرناوي على طريق التميز
افتراضي

الجدران اللامرئية: العنصرية ضدّ السّود (8) - العنصرية أصل والتسامح فرع
الاربعاء 11 شباط (فبراير) 2009
بقلم: علي العائد






بداية، لا بدّ من الاتفاق أن العنصرية هي الأصل في تصرفات البشر جميعاً، وكل ما يشذّ عن هذه القاعدة هو استثناء. ثم إنّ العنصرية الموجودة في بلاد العرب والمسلمين، عموماً، هي الأقلّ مقارنة مع العالم الغربيّ الرأسماليّ في أوروبا وأميركا الشمالية خصوصاً، كون الإسلام نصّ، نظرياً على الأقلّ، على تساوي البشر جميعاً (لا فضل لعربيّ على أعجميّ ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى)
لكنّ الأمر يختلف واقعياً وعملياً حتى في زمن مؤسّسي الدولة الإسلامية،
ومازالت العبودية موجودة في بعض بلاد المسلمين رغم أنف القوانين ومَنْ قنّنوها.
كما أنّ ثبات الانحياز اللغوي في جميع لغات العالم نحو تمجيد الذكورة على حساب الأنوثة ظاهرة كبرى أسّسها الذكر الذي قنّن اللغات، وأرسى العادات، وسنَّ القوانين، بل وأحكم الدين نفسه،
إضافة إلى أنّ النظرة إلى الأسود متأصّلة منذ فجر تاريخ التقسيم الاجتماعي للعمل، فكانت المشاعة قائمة على سواعد الرجال في الإنتاج، وللنساء والعبيد السود الخدمة في المنازل، أو الأعمال السهلة، واستمرّ الأمر في التشكيلة الإقطاعية للعمل لتصبح ظاهرة العبيد ضرورة اقتصادية - اجتماعية يحميها قانون الملكية ومجتمع الأقنان. حتى أن الرواة في التاريخ العربي يذكرون أنّ بعض سادة العرب سئلوا: لماذا تختارون لعبيدكم أسماء جميلة ورقيقة (ورد، مثلاً) وتختارون لأولادكم أسماء قاسية ومنفرة (قحافة، وابصة، مثلاً)، فكان الجواب: عبيدنا لنا، أمّا أولادنا فلأعدائنا. وفي هذه الرواية رسالتان، الأولى: الحرص على العبد كونه أداة اقتصادية، فهو يخدم سيده ويقدم له ما يريد، سواء كان عبداً ذكراً، أو أََمَةً امرأة، فهو يمثل هنا قيمة استعمالية بالمعنى الاقتصادي، ثم إنه يشكل قيمة سوقية (تبادلية) فيستطيع أن يبيعه أو يستبدله، أو يستكثره، إن جاز التعبير (من خلال تزويج السيد عبيده والاستيلاد الطبيعي).
أما الرسالة الثانية، فتدل على دونية العبد ذهنياً وعرقياً حتى يقارع الأعداء في الغزو والحرب،


ولنتذكر هنا قصة عنترة، بل لنتذكر واقعة الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز، المستثنى من إمكانية توليه العرش السعودي كون أمّه أفريقية سوداء!..

وفي التشكيلة الرأسمالية لم يبطل هذا النظام، بل تعمّق بأشكال أخرى إذ انضم كثير من العبيد البيض إلى رفقائهم العبيد السود في المزارع والمشاغل ثم المصانع. والملاحظ أنّ نظام العبودية والأقنان في النظام الاشتراكي طيّب الذكر (في الإتحاد السوفيتي السابق والمنظومة الاشتراكية) أخذ شكلاً آخر من التمييز، ولربما لم تكن الأمثلة هناك صارخة، لكن الطبقات غير المرئية في المجتمعات الاشتراكية جعلت من الصعب التمييز سوى بين طبقتين، الحكام والعمال، فكانت العبودية للأيديولوجيا وللحاجات غير المتحققة، حيث كان المواطن "الاشتراكي" يحلم باقتناء بنطلون جينز، مثلاً!
وفي العالم العربي، مازال مجتمع "الأخدام" موجوداً في اليمن، حيث يمكن لغير اليمني أن يجد صورة عنه في رواية اليمني علي المقري (طعم أسود رائحة سوداء)، حيث طبقة كاملة من السود الذين يعيشون منبوذين من الدولة والمجتمع، فلا هم بالعبيد الذين يطعمهم سيّدهم الطعام والهوان، ولا هم بالغجر الذين يعيشون متنقلين بين البلدان ويمارسون الأعمال التي اشتهر بها الغجر في كل مكان وزمان. ويمكننا أن نجد العبودية في الجزائر، وموريتانيا، والسعودية. وفي سوريا،

مازالت بقايا العبودية موجودة،
حيث ولاء "العبيد" الآباء مازال يلزم الأبناء بالذهاب إلى أسياد الأمس "البدو"، في السعودية تحديداً، لتقديم الولاء، والحصول على الإعانات أو العمل،
على اعتبار أن الآباء والأجداد كانوا عبيداً لشيوخ عشائر "عنزة" و "شمَّر"، حكام السعودية ومعظم دول الخليج العربي.
وشخصياً، أعرف أحد الأصدقاء الذي دفعه أهله للذهاب إلى السعودية وتقديم ذلك الولاء لأسياد أبيه وجده، لكنه عاد بعد سنتين أو ثلاث بفصام (شيزوفرينيا) مازال يعاني منه منذ أكثر من عشرين سنة.



يبقى أنّ الأسود، أو الأبيض، هو آخر الآخر، كما أنّ الذكر آخر الأنثى، والعكس صحيح، لكن ما الذي جعل للأبيض/ الذكر هذه المكانة المركزية حتى يكون القاعدة التي يقاس عليها وجود ذلك الآخر؟
إنّ البحث في القواميس العربية والإنكليزية، وربما غيرها، سيجد أنّ اللغات تحفل بصفحات كاملة عن هذا التمييز بين الأبيض والأسود، الأسود العبد،

فارتباط العبودية باللون الأسود، حسب ماركس، جاء نتيجة الحاجة للرقيق في التشكيلات الاجتماعية – الاقتصادية، المشاعية والإقطاعية، كما سبق الذكر، لكن استمرار هذه الحالة، وعبورها اللغات والتشكيلات الثقافية في كل زمان ومكان، جعل من هذه الفضيحة الإنسانية وصمة عار في العقل الإنساني،

مع أن العلم والعرف يعرف أن الدم واحد، والفروقات بين البيض والسود، أو السود والبيض هي فروقات شخصية ومناخية وعرقية، فالبيض ليسوا سواء في البياض، والسود ليسوا كذلك، فاختلاف المناخات الجغرافية تجعل من هؤلاء وأولئك مختلفين، كما أن السيرة التاريخية للمكان جعلت من الأفارقة الزنوج النموذج الصارخ المعبر عن العبودية، فألبسته الحكايات في (ألف ليلة وليلة) صفات الرذيلة، على اعتبار أنّ التفوق الجنسيّ للأسود أصبح أسطورة في حدّ ذاته، فكان الأسود الخصيّ تحفة في قصور الأميرات، وكانت الشهوة الجامحة للأسود مصدر خطر على الفضيلة البيضاء. وعبرت هذه الفكرة إلى الأمثال الشعبية لإظهار التناقض الصارخ لدونية الأسود (حبيبك تحبه ولو كان عبد نوبي)، وفي الأدب (إن العبيد لأنجاس مناكيد). فوق هذا، يمكننا التنبيه إلى أنّ العنصرية ضدّ السود تستند، بالإضافة إلى المحمول التاريخي لها، إلى استقرار النظرة إلى الغريب، فلا يعقل أن توجد هذه الظاهرة في أفريقيا السوداء، كما أنها موجودة في حدود ضيّقة في أميركا اللاتينية، لأنّ القوّة البيضاء غير طاغية هناك، وحداثة تكوُّن تلك الدول حدَّت من قوة الموروث التاريخي والشعبي لتلك الفكرة، فعبرت الأعراق المكونة لتلك المجتمعات الحدود الفاصلة بينها، فاتسعت الدائرة الكبرى للمجتمع للدوائر العرقية المختلفة، وشكلت مجتمعات أكثر هجنة في اللون والتفكير. ومن هنا يأتي السحر اللاتيني، في البرازيل والأرجنتين خاصة، وكذلك في كوبا. وتبقى مجتمعات شرق آسيا أكثر المجتمعات بعداً عن ظاهرة التمييز العنصري بين البيض والسود، كون الاحتكاك بين العرقين الأصفر والزنجي ظلّ في حدوده الدنيا، إن كان موجوداً أصلاً، ولديهم بالتأكيد أشكالهم الخاصة من التمييز العنصري المؤسّس على الطبقة والدين. أما ذلك الغريب الأسود في مجتمع أوروبي أو أميركي شمالي، ورغم التقدم نحو نبذ التمييز العنصري، فهو ظاهرة أكثر أصالة نتيجة استعلاء ثقافي، وثمرة لما زرعه الدين، في جانبه المكرس من رجال الدين كجانب حياتي معاش، ليصبح تقليداً يتجدد في كل جيل، ولتصبح حالة ولادة ولد أبيض، ثم أسود، بين زوجين أسود وأبيض، حالة طريفة تتداولها الأنباء كما تداولت حالة استنساخ النعجة (دوللي).
ويمكننا التنبيه إلى أنّ التمييز بين السود والبيض هو الحالة النافرة من جملة أنواع من التمييز الطائفي في كل المجتمعات التي نالها الاختلاط بفضله،
لكن التمييز الديني يبقى ذا صبغة سياسية – اقتصادية، فهو أقل وطأة إنسانياً من التمييز العنصري الذي وقع تحت سيف أفول الروح الإنسانية التي تتمثل بالنازية أو الفاشية. ومع ذلك لا تزال وتيرة تراجع التمييز ضدّ السود هي أقل كثيراً مما يمكن أن نحتسبه نظرياً، وما زال وقوع العين على الأسود يثير دهشة ما مؤسسة على شيء استقر في باطن عقولنا، ولا أعتقد أن النص على نبذ هذا النوع من العنصرية في وثائقنا المكتوبة كافٍ لإزالته من النفوس حتى بعد انقضاء عقود، أو قرون.

ولنا في انتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة مثالاً على رسوخ الفكرة، فقد استمعنا طوال الحملة الانتخابية التمهيدية في الحزب الديمقراطي إلى فكرة أن أميركا غير جاهزة بعد ليكون رئيسها أسود أو امرأة. وحتى بعد انتخاب أوباما، فإن الاستثناء هو ما حدث، لتبقى القاعدة ثابتة دون اختراق يُذكر؛ وكلما أشار "محلّل سياسيّ" إلى أن أوباما أسود، أو أظهرت الصورة لونه الأسود، تكون البقعة السوداء في عقولنا قد سبقت ذلك الكلام أو تلك الومض.
__________________

زنوج عملوا بمقولة أجدادهم : " اعرف نفسك "
عرفوها وآمنوا بها فصنعوا المجد
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
السود, العالم, العربي, العنصرية


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 زائر)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

جميع الحقوق محفوظة لمنتديات أفرو آسيا


الساعة الآن 02:54 AM.

أقسام المنتدى

عنَآقيْد مُتَدليَةْ | وَقفَاتْ رُوحَانيَةْ | المُنْتدى العَامْ | حَديْثُ السَاعةْ | المَقْهى الأدَبيْ | القِصةُ وَ الْروَايةْ | الهيئة التأسيسية | ضواحي ديموقراطية | مُنتَدى المُشْرِفِينْ | آبارُ سِقَآءْ | نِقَاطْ تحْتَ الضَوءْ | عَنَآقيْد مَمْسُوقَة وَ حُقُول مَرئٍيَة | التَصْميمْ وَ الفُنونْ التَشْكِيليَةْ | ألْبُومْ الصُوَرْ | مَنْفى المَوَاضِيعْ | السُلْطَةْ الفِيْدرَالِيةْ | الأَدَبْ المَنقُولْ | الصَالُونْ الأدَبِي | دَارُ قَرار | دُسْتورُنا وَ سِياسَاتُنا | أَفْريْقيَا المَهْجَرْ | تَطْوِيْرُ الذّاتْ | مُلتَقَى الأسْرَة | مُتَنفَسْ رُوحْ | فَلْسَفة وَ مُفَكِرونْ | حَآنَةْ الكتُبْ |



استضافه مواقع ودعم فني cdt.com.sa
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
This seo Mod by cdt.com.sa

تصميم وتركيب مس دلع ديزاين لخدمات التصميم